تقرير - فيميد

 

تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة الانتقادات الشعبية الفلسطينية الموجهة إلى بنك فلسطين على خلفية إجراءات طالت حسابات أسرى محررين وذوي شهداء ومواطنين في قطاع غزة، وسط اتهامات للبنك بتجميد وإغلاق حسابات وفرض قيود على الوصول إلى الأموال، في وقت يعيش فيه الفلسطينيون واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية والإنسانية منذ عقود.

وتتركز الانتقادات بصورة خاصة على التعامل مع حسابات الأسرى والمحررين وعائلاتهم، باعتبارها شريحة ترتبط قضيتها مباشرة بالصراع مع الاحتلال، فيما يرى منتقدون أن إخضاع هذه الفئة لقيود مصرفية واسعة يساهم عمليًا في تنفيذ الضغوط المالية التي تمارسها إسرائيل على المؤسسات والأفراد المرتبطين بملف الأسرى.

وفي مايو/أيار 2026، قال مدير فريق "نبراس الوفاء" لشؤون الأسرى والمحررين، مصعب مدوخ، إن بنك فلسطين مستمر في تجميد حسابات أسرى محررين ورفض فتح حسابات جديدة لهم ولذوي الشهداء، رغم الاحتجاجات التي شهدها قطاع غزة.

الأسرى في مواجهة "الحصار المصرفي"

لم تعد القضية، بحسب المحتجين، مجرد خلاف مصرفي عادي يتعلق بحسابات فردية، بل تحولت إلى قضية تمس شريحة واسعة من الأسرى المحررين وعائلات الأسرى داخل سجون الاحتلال.

وفي يونيو/حزيران، نظم أسرى محررون وزوجات أسرى في سجون الاحتلال وقفة أمام أحد فروع بنك فلسطين في غزة، مطالبين بوقف تجميد وإغلاق الحسابات وتمكين المتضررين من فتح حسابات جديدة تتيح لهم الحصول على المساعدات والتحويلات المالية.

ورفع المشاركون شعارات تندد بما وصفوه بـ "الحصار المصرفي"، واتهموا البنك بتجميد حسابات الأسرى وعائلاتهم والامتناع عن صرف مخصصات يعتمد عليها أطفال وأسر فلسطينية في ظروف اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة.

وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت يتعرض فيه ملف الأسرى الفلسطينيين أصلًا لضغوط إسرائيلية متصاعدة، بعدما سعت سلطات الاحتلال خلال السنوات الماضية إلى تجريم التعامل المصرفي مع الأموال التي تصل إلى الأسرى والمحررين وعائلات الشهداء.

من الأسرى إلى آلاف المواطنين

لا تقف الانتقادات عند حدود حسابات الأسرى، فقد شهد قطاع غزة خلال الفترة الأخيرة موجة شكاوى من مواطنين قالوا إن حساباتهم المصرفية جرى تجميدها أو إغلاقها أو تقييد استخدامها دون إشعار مسبق، ما حرمهم من الوصول إلى أموالهم أو الاستفادة من الخدمات المصرفية.

وتحدثت تقارير فلسطينية عن آلاف المواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام حسابات مجمدة أو مغلقة، فيما أطلق ناشطون ومتضررون حملات إلكترونية احتجاجية ضد ما وصفوه بسياسة "تجميد الحسابات".

وتشير الشكاوى إلى أن المتضررين لا يقتصرون على فئة واحدة، وإنما تشمل أسرى محررين، وعائلات شهداء، ومحامين، وصحفيين، وتجارًا ومواطنين عاديين، بحسب ما تردد في شهادات وتقارير محلية خلال الفترة الأخيرة.

لماذا يثير الأمر غضبًا أكبر في غزة؟

تكتسب هذه الإجراءات حساسية استثنائية في قطاع غزة بسبب انهيار جزء كبير من النظام الاقتصادي والنقدي نتيجة الحرب.

فالمواطن الذي يُجمّد حسابه المصرفي في الظروف الطبيعية قد يجد بدائل محدودة، أما في غزة اليوم فإن الوصول إلى الحساب المصرفي قد يعني الوصول إلى راتب أو حوالة مالية أو مساعدة إنسانية أو مدخرات الأسرة.

ولهذا يرى منتقدون أن تجميد الحسابات في هذه الظروف لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد إجراء مصرفي، لأن آثاره قد تمتد مباشرة إلى القدرة على توفير الطعام والدواء والإيجار والاحتياجات الأساسية.

وقد أدى انهيار السيولة النقدية في القطاع إلى زيادة اعتماد المواطنين على الخدمات المصرفية والتحويلات الإلكترونية، ما يجعل أي قيود على الحسابات أكثر تأثيرًا على الحياة اليومية.

هل يتحول الضغط الإسرائيلي إلى ضغط مصرفي فلسطيني؟

هنا تكمن أكثر نقاط الجدل حساسية، فالاحتلال الإسرائيلي خاض منذ سنوات معركة مالية ضد منظومة مخصصات الأسرى والشهداء، وسعى إلى الضغط على البنوك الفلسطينية لمنع التعامل مع الحسابات المرتبطة بهذه الفئات.

وفي يناير/كانون الثاني 2021، وثقت مصادر فلسطينية أن بنك فلسطين بدأ تجميد حسابات مرتبطة بالأسرى وذوي الشهداء والجرحى، في سياق الإجراءات الإسرائيلية التي استهدفت البنوك الفلسطينية التي تتعامل مع هذه الحسابات.

وكانت سلطة النقد الفلسطينية قد حذرت سابقًا من أمر عسكري إسرائيلي يجرّم فتح وإدارة حسابات تتعلق بحقوق عائلات الأسرى والمحررين، مع تهديدات بمصادرة الأموال الموجودة فيها.

ومن هنا يرى منتقدو بنك فلسطين أن المشكلة لا تتعلق فقط بقرار مصرفي منفصل، بل بما يعتبرونه انتقالًا للضغط الإسرائيلي من المستوى العسكري والسياسي إلى المستوى المالي والمصرفي.

وبحسب هذا الطرح، فإن الاحتلال لا يحتاج بالضرورة إلى السيطرة المباشرة على الحسابات الفلسطينية إذا استطاع، عبر الضغط القانوني والمالي، دفع المؤسسات المصرفية الفلسطينية إلى اتخاذ إجراءات تمس الفئات المستهدفة.

الاحتلال يستخدم المال كسلاح

الضغوط على القطاع المصرفي الفلسطيني لا تقتصر على حسابات الأسرى، ففي يوليو/تموز 2026، حذرت سلطة النقد الفلسطينية من تداعيات قرار مصرفي إسرائيلي محتمل بقطع العلاقات مع البنوك الفلسطينية، بعدما أعلن بنكان إسرائيليان، هما بنك هبوعليم وبنك إسرائيل ديسكاونت، عزمهما وقف خدمات المراسلة المصرفية مع البنوك الفلسطينية.

وتتعامل هذه القنوات مع نحو 51 مليار شيكل سنويًا، وتشكل جزءًا أساسيًا من حركة التجارة الفلسطينية، فيما يمر نحو 90% من التجارة الفلسطينية عبر إسرائيل.

وحذرت تقارير اقتصادية من أن قطع هذه العلاقات قد يؤدي إلى أزمة مالية واسعة تهدد عمليات الاستيراد والتجارة ودفع الرواتب والخدمات الأساسية.

ويكشف ذلك أن القطاع المصرفي الفلسطيني أصبح أحد ميادين الصراع السياسي والاقتصادي مع الاحتلال، وأن الضغوط المالية لا تستهدف فقط الحكومة أو السلطة الفلسطينية، وإنما تمتد إلى البنوك والعملاء والأسر الفلسطينية.

"بنك وطني" أم منفذ للضغوط؟

الانتقادات الموجهة إلى بنك فلسطين تتخذ بعدًا أكثر حدة بسبب موقع البنك في المجتمع الفلسطيني، فالبنك ليس مؤسسة مصرفية أجنبية تعمل من خارج الأراضي الفلسطينية، وإنما مؤسسة مالية فلسطينية واسعة الانتشار، وله حضور كبير في حياة الفلسطينيين وفي الاقتصاد المحلي.

ولهذا يرفض منتقدوه أن تتحول الضغوط الإسرائيلية إلى سبب لتقييد حسابات الأسرى والمحررين أو عائلات الشهداء، معتبرين أن المؤسسة المصرفية الفلسطينية يفترض أن تكون جزءًا من حماية المجتمع في مواجهة الاحتلال، لا أن تكون قناة لتطبيق الضغوط المفروضة عليه.

ويرى هؤلاء أن قبول القيود المفروضة على حسابات الأسرى يساهم، ولو بصورة غير مباشرة، في تحقيق أحد أهداف الاحتلال: تجفيف الموارد المالية المرتبطة بالمقاومة والأسرى والشهداء، وتحويل التعامل مع هذه الفئات إلى مخاطرة مصرفية.

وبهذا المعنى، فإن القضية تتجاوز السؤال: "لماذا أُغلق هذا الحساب؟"، إلى سؤال أكبر: من يضع قواعد النظام المالي الفلسطيني، ومن يملك القدرة على تحديد من يستطيع الفلسطيني أن يتعامل معه ماليًا؟

الغضب يتسع

في يونيو/حزيران، لم تعد الشكاوى فردية، إذ خرج أسرى محررون وعائلات أسرى إلى الشارع للاحتجاج أمام فروع بنك فلسطين، مطالبين بوقف إجراءات التجميد وإعادة فتح الحسابات.

كما تصاعد الغضب على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اتهم متضررون البنك باتباع سياسة واسعة في إغلاق وتجميد الحسابات، وظهرت حملات إلكترونية تحت شعارات مثل #حاسبوا_بنك_فلسطين و#كفى_تجميد_الحسابات.

وفي ظل اتساع دائرة المتضررين، باتت القضية بالنسبة إلى منتقدي البنك جزءًا من نقاش أوسع حول دور المؤسسات الاقتصادية الفلسطينية في حماية المجتمع خلال الحرب، وحدود خضوعها للضغوط الإسرائيلية والدولية.

قضية تتجاوز الحسابات المصرفية

القضية في جوهرها لا تتعلق فقط بمن يستطيع سحب أمواله أو فتح حساب جديد، وإنما بما إذا كان الفلسطيني سيبقى قادرًا على الوصول إلى النظام المالي دون أن يتحول ملفه السياسي أو الاجتماعي أو العائلي إلى سبب لعقابه اقتصاديًا.

فالأسرى والمحررون وعائلات الشهداء يمثلون إحدى أكثر الفئات تعرضًا للضغوط الإسرائيلية، فيما أدى توسيع القيود المصرفية لتشمل مواطنين آخرين إلى زيادة المخاوف من نشوء منظومة مالية فلسطينية تعمل تحت ضغط العقوبات والتهديدات الإسرائيلية.

ويرى منتقدون أن استمرار هذه الإجراءات يمنح الاحتلال أداة إضافية في معركته ضد الفلسطينيين: ليس عبر الدبابات والحواجز فقط، وإنما عبر الحساب البنكي أيضًا.

ومن هنا تتجه الأنظار إلى المؤسسات المصرفية الفلسطينية وسلطة النقد، ليس فقط لمعرفة عدد الحسابات التي جرى تجميدها أو إغلاقها، وإنما لمعرفة إلى أي مدى أصبحت القرارات المصرفية الفلسطينية متأثرة بالضغوط الإسرائيلية، وما إذا كان تجميد حسابات الأسرى والمواطنين يمثل استجابة اضطرارية لهذه الضغوط أم تحولًا إلى سياسة مصرفية مستقلة عنها.

وبينما يواصل الأسرى المحررون والمتضررون احتجاجاتهم، تتسع القضية من أزمة حسابات إلى معركة على الحق في الوصول إلى المال الفلسطيني، وعلى استقلال النظام المصرفي الفلسطيني عن أدوات الاحتلال الاقتصادية.