متابعات – فيميد

 

كشفت دراسة إسرائيلية حديثة عن فجوة واسعة في مستويات المهارات لدى المعلمين الإسرائيليين مقارنة بنظرائهم في الدول المتقدمة، بعدما سجل المعلمون في إسرائيل نتائج أدنى من متوسط 18 دولة مقارنة في مهارات القراءة والحساب وحل المشكلات.

وأظهرت الدراسة، التي أعدتها الباحثة يايل ملتسر من معهد شورش للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، اعتمادًا على بيانات برنامج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لتقييم كفاءات البالغين PIAAC خلال عامي 2022 و2023، أن المعلمين الإسرائيليين جاءوا دون متوسط الدول المقارنة في المجالات الثلاثة التي جرى قياسها.

ولا تقيس الدراسة قدرة المعلم على إدارة الفصل أو جودة أدائه التعليمي بصورة مباشرة، وإنما تقيس مجموعة من المهارات الأساسية التي تشمل القدرة على فهم النصوص والمعلومات، والمهارات الحسابية، والقدرة على معالجة المعلومات والتعامل مع المشكلات اليومية والمهنية.

فجوة لا تختفي مع ارتفاع التعليم

تكشف الدراسة عن مفارقة لافتة داخل منظومة التعليم الإسرائيلية؛ فالفجوة لا يمكن تفسيرها فقط بانخفاض مستوى التعليم الأكاديمي للمعلمين.

وبحسب البيانات، يحمل 37% من المعلمين الإسرائيليين درجات ماجستير، مقابل 49% في الدول المقارنة. وفي المقابل، تبلغ نسبة الحاصلين على درجة البكالوريوس 41% في إسرائيل مقابل 35% في الدول المقارنة.

لكن عند مقارنة المعلمين الذين يمتلكون مستويات تعليمية متشابهة، تظل الفجوة قائمة.

فالمعلمون الإسرائيليون الحاصلون على درجات جامعية سجلوا مستويات مهارية أقل من الإسرائيليين الحاصلين على درجات أكاديمية ويعملون في مهن أخرى، بينما كانت الصورة مختلفة لدى أصحاب التعليم الثانوي فقط؛ إذ تفوق المعلمون الإسرائيليون على العاملين خارج مهنة التعليم من المستوى التعليمي نفسه.

وتظهر المشكلة بصورة أكثر حدة بين الرجال؛ إذ كان الفارق بين المعلمين الإسرائيليين من حملة الشهادات الجامعية والعاملين الأكاديميين في المهن الأخرى أكبر بكثير من الفارق المسجل بين النساء.

حتى معلمو العلوم والتكنولوجيا في ذيل القائمة

من أكثر نتائج الدراسة إثارة للقلق وضع المعلمين الذين يحملون شهادات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).

ففي الدول المقارنة، يميل أصحاب الخلفيات الأكاديمية في هذه المجالات إلى تسجيل أعلى مستويات المهارات بين المعلمين وغير المعلمين.

أما في إسرائيل، فسجل المعلمون الحاصلون على درجات في مجالات STEM أدنى مستويات المهارات بين المعلمين الأكاديميين في القراءة وحل المشكلات، بينما لم تختلف مهاراتهم الحسابية بصورة كبيرة عن غيرهم من المعلمين الأكاديميين.

كما كان مستواهم أقل بوضوح من الإسرائيليين الذين يحملون مؤهلات أكاديمية مماثلة ويعملون خارج قطاع التعليم.

وترى ملتسر أن هذه النتائج تشير إلى صعوبة أكبر يواجهها نظام التعليم الإسرائيلي في استقطاب أصحاب المهارات العالية والاحتفاظ بهم، خصوصًا في ظل قدرة القطاع الخاص، ولا سيما قطاع التكنولوجيا، على تقديم عوائد مالية ومهنية أكبر لهذه الكفاءات.

سوق العمل يسحب الكفاءات من التعليم

تشير الدراسة إلى أن الفارق بين المعلمين وغير المعلمين من حملة الشهادات الجامعية يكاد لا يظهر في الدول المقارنة، بينما يظهر بصورة واضحة في إسرائيل.

وتطرح ملتسر تفسيرًا محتملًا يتمثل في أن سوق العمل الخاص يختار موظفيه بدرجة أكبر وفق المهارات الفعلية، في حين يعتمد قطاع التعليم بدرجة أكبر على المؤهلات الأكاديمية الرسمية.

كما تشير إلى أن البدائل ذات الأجور المرتفعة في القطاع الخاص قد تكون عاملًا مهمًا في ابتعاد أصحاب المهارات العالية عن مهنة التعليم، خصوصًا الرجال.

وتحذر الدراسة من أن هذه المشكلة تصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى إسرائيل بسبب اعتماد اقتصادها بدرجة كبيرة على الاقتصاد القائم على المعرفة وقطاع التكنولوجيا المتقدمة.

تفاوت حاد داخل النظام التعليمي الإسرائيلي

لم تقتصر الفجوة على المقارنة الدولية، إذ كشفت الدراسة أيضًا عن تفاوت كبير بين قطاعات التعليم داخل إسرائيل نفسها، وسجل المعلمون في التعليم العربي أدنى النتائج مقارنة بجميع القطاعات الأخرى التي شملتها الدراسة.

كما سجل المعلمون في التعليم الحريدي نتائج أدنى من معلمي التعليم العلماني والديني غير الحريدي في القراءة والحساب.

ويربط التقرير انخفاض نتائج التعليم العربي بعوامل بينها نقص الموارد والاستثمار والبنية التحتية على مدى سنوات، إلى جانب وجود عوامل لغوية مرتبطة بالفارق بين العربية المحكية والمكتوبة، وهو ما قد يؤثر في نتائج اختبار المهارات ولا يمكن فصله بصورة كاملة عن المهارات المقاسة.

معلمو رياض الأطفال الأضعف

أظهرت الدراسة كذلك تفاوتًا واضحًا بحسب المرحلة التعليمية، فقد سجل معلمو المرحلة الثانوية مستويات مهارية أعلى بكثير من المعلمين العاملين مع الأطفال الأصغر سنًا في المجالات الثلاثة.

كما تفوق معلمو المدارس الابتدائية على معلمي مرحلة ما قبل المدرسة في القراءة وحل المشكلات.

وتضع هذه النتائج التعليم المبكر أمام واحدة من أبرز نقاط الضعف داخل المنظومة التعليمية الإسرائيلية، خصوصًا أن السنوات الأولى من التعليم تمثل مرحلة أساسية في بناء المهارات المعرفية لدى الأطفال.

أزمة نقص المعلمين تتفاقم

تأتي نتائج الدراسة في وقت تواجه فيه إسرائيل أزمة متزايدة في أعداد المعلمين، وبحسب بيانات نقلتها «تايمز أوف إسرائيل»، تواجه إسرائيل نقصًا يبلغ نحو 30,871 معلمًا مع اقتراب العام الدراسي 2026-2027.

كما تخرج برامج إعداد المعلمين 8,461 طالبًا فقط خلال 2025، وهو أدنى مستوى خلال عقد.

وتواجه المنظومة كذلك مشكلة في الاحتفاظ بالمعلمين؛ إذ يترك نحو 20% من المعلمين الجدد المهنة خلال السنوات الخمس الأولى، بينما يغادر نحو 10% منهم بعد عام واحد فقط.

وفي العام الدراسي 2025-2026، عمل 14,283 من العاملين في التدريس في المدارس من دون التدريب أو الاعتماد المهني المطلوب، بحسب البيانات التي أوردتها الصحيفة.

أقل من نصف خريجي التربية يريدون التدريس

وفق مسح حديث للاتحاد الوطني للطلاب الإسرائيليين، فإن 43% فقط من خريجي تخصصات التربية قالوا إنهم يعتزمون العمل في التدريس، بينما كان آخرون غير متأكدين أو يفكرون في مغادرة المجال أو تغيير تخصصاتهم الأكاديمية.

وتتزامن هذه الأزمة مع فروق في الأجور؛ فقد أظهرت بيانات لمعهد شورش أن أجور معلمي المرحلة الابتدائية في إسرائيل عام 2022 كانت أقل بنحو 22% من متوسط دول OECD، مقابل فارق بلغ 14% لدى معلمي المرحلة الإعدادية و9% لدى معلمي المرحلة الثانوية.

محاولة لسد العجز بموظفين من خارج المهنة

في محاولة لمواجهة نقص المعلمين، فتحت وزارة التعليم الإسرائيلية مسارًا مؤقتًا يسمح للمدارس بتوظيف ما يصل إلى 8 آلاف معلم بعقود شخصية، بينهم متخصصون لا يمتلكون خبرة سابقة في التدريس.

وبحسب التقرير، يمكن أن تصل رواتب بعض هؤلاء إلى نحو 19.5 ألف شيكل شهريًا، مقابل نحو 9 آلاف شيكل للمعلم المبتدئ في المسار التقليدي.

وتثير هذه السياسة مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي تكشف فيه الدراسة ضعف مستوى المهارات لدى قطاع من المعلمين، تحاول الحكومة سد النقص عبر جذب متخصصين من خارج مهنة التعليم، بما يشير إلى عمق أزمة استقطاب الكفاءات التي تواجهها المدارس الإسرائيلية.

أزمة تتجاوز المعلمين

تضع الدراسة ضعف مهارات المعلمين في سياق أوسع؛ إذ إن نتائج PIAAC نفسها أظهرت أن البالغين الإسرائيليين عمومًا سجلوا مستويات أدنى من متوسط OECD في القراءة والحساب وحل المشكلات.

وبالتالي، فإن مشكلة المعلمين لا تبدو معزولة عن أزمة أوسع في رأس المال البشري الإسرائيلي، خصوصًا أن النظام الاقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على المهارات العالية والتكنولوجيا والابتكار.

وتحذر الدراسة، بصورة غير مباشرة، من مفارقة تواجه إسرائيل: اقتصاد يحتاج إلى المزيد من أصحاب المهارات العالية، ونظام تعليمي يجد صعوبة متزايدة في جذب هؤلاء المهنيين إلى مهنة يفترض أن تكون مسؤولة عن بناء رأس المال البشري للأجيال المقبلة.