استهداف إسرائيل للمؤسسات الدولية.. من الأونروا إلى الجنائية الدولية
يظهر استهداف إسرائيل المتصاعد للمؤسسات الدولية أنه لم يعد إجراءً استثنائياً أو رد فعل عابراً، بل تحوّل إلى سياسة ممنهجة متعددة المستويات.
تقرير خاص - فيميد
منذ اندلاع الحرب على غزة عقب السابع من أكتوبر 2023، لم تقتصر المواجهة الإسرائيلية على الفصائل الفلسطينية المسلحة، بل اتسعت لتشمل حملة ممنهجة تستهدف المؤسسات الدولية والأممية العاملة في الأراضي الفلسطينية، من وكالات الإغاثة إلى المنظمات الحقوقية، وصولاً إلى المحكمة الجنائية الدولية ومقرريها الأمميين - في نمط يرى فيه حقوقيون ومراقبون محاولة منهجية لتحييد كل جهة قادرة على التوثيق أو المساءلة القانونية.
الأونروا.. الهدف الأول والأكثر استمرارية
شكّلت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) الهدف الأبرز والأطول أمداً في هذه الحملة. ففي أوائل عام 2024، وجّهت إسرائيل للوكالة اتهامات بأن عدداً من موظفيها في غزة شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر، وأن المئات منهم أعضاء في جماعات مسلحة. وأدت هذه الاتهامات إلى وقف تمويل عدد من الدول المانحة للوكالة، قبل أن تجد التحقيقات لاحقاً أن مزاعم العضوية الجماعية "لا أساس لها من الصحة"، وأن الموظفين المتهمين فعلياً بالمشاركة في الهجوم يمثلون نحو 0.03% فقط من إجمالي موظفي الوكالة البالغ عددهم أكثر من 30 ألف موظف.
ورغم ذلك، أقر الكنيست الإسرائيلي في تشرين الأول/أكتوبر 2024 قانوناً يحظر نشاط الأونروا داخل إسرائيل، بذريعة صلة موظفيها بأحداث السابع من أكتوبر - وهو ما نفته الوكالة مؤكدة التزامها بالحياد. وبحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش"، قُتل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 قرابة 226 موظفاً من موظفي الأونروا في غزة، فيما هاجمت السلطات الإسرائيلية علناً الأمين العام للأمم المتحدة نفسه، ضمن ما وصفته المنظمة الحقوقية بـ"حملة طويلة الأمد لتدمير الوكالة الأممية".
وامتد هذا الاستهداف إلى المستوى السياسي التخطيطي، إذ أثار إعلان "مجلس السلام" المشرف على المرحلة الانتقالية في غزة عدم وجود مكان للأونروا فيما سمّاه "غزة الجديدة" موجة رفض فلسطينية وعربية واسعة، إذ رفضت وزارة الخارجية الفلسطينية وجامعة الدول العربية هذا الإعلان، مؤكدتين أن الوكالة "شريان حياة" للاجئين الفلسطينيين لا يمكن إنهاء عملها إلا بقرار أممي. ويرى خبراء أن استبعاد الأونروا يتعارض مع القانون الدولي ويهدد بتقويض قضية اللاجئين وحق العودة برمّتها.
منظمات إغاثية دولية.. إلغاء تراخيص جماعي
توسعت الحملة لتشمل منظمات إنسانية دولية أخرى تعمل في غزة والضفة، إذ اتخذت الحكومة الإسرائيلية أواخر عام 2025 خطوات قانونية لإلغاء تراخيص عمل عدد من هذه المنظمات، من بينها منظمة "أطباء بلا حدود"، بذريعة "عدم استكمال متطلبات التسجيل". ونصّت الخطابات الرسمية على إلغاء التراخيص اعتباراً من الأول من كانون الثاني/يناير 2026، مع إنهاء الأنشطة بالكامل بحلول الأول من آذار/مارس 2026 - رغم منح المنظمات مهلة امتثال ممتدة لعشرة أشهر تقريباً. وأثار هذا الإعلان تحذيرات دولية وأوروبية واسعة من تفاقم الأزمة الإنسانية المستفحلة أصلاً في القطاع، في ظل اعتماد السكان بشكل شبه كامل على عمل هذه المنظمات لتقديم الخدمات الأساسية.
المحكمة الجنائية الدولية.. عقوبات على القضاة أنفسهم
انتقل الاستهداف إلى مستوى أعلى من ذلك حين تحوّل إلى مواجهة مباشرة مع القضاء الدولي نفسه. فبعد إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الأسبق يوآف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شباط/فبراير 2025 أمراً تنفيذياً يفرض عقوبات على كبار مسؤولي وموظفي المحكمة، وفرضت الإدارة الأميركية بالفعل عقوبات مباشرة على أربعة من قضاة المحكمة، على خلفية قضايا مرتبطة بأميركا وإسرائيل - في سابقة غير مألوفة تستهدف قضاة محكمة دولية بصفتهم الشخصية بسبب أحكام قضائية أصدروها.
معاقبة المقررة الأممية ألبانيز شخصياً
بلغ هذا النمط ذروته حين فرضت الولايات المتحدة، في تموز/يوليو 2025، عقوبات مباشرة على المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، التي وثّقت بشكل متكرر ما وصفته بجريمة الإبادة الجماعية في غزة، ودعت الدول إلى الالتزام بموجباتها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية. وبرر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذه الخطوة بأن ألبانيز مارست "جهوداً غير مشروعة ومخزية لدفع المحكمة الجنائية الدولية إلى التحرك ضد مسؤولين وشركات ومديرين تنفيذيين أميركيين وإسرائيليين"، معتبراً إياها "غير مؤهلة" لمنصبها. ومنعت العقوبات ألبانيز من دخول الأراضي الأميركية وأوقفت حساباتها المصرفية بالكامل، فيما وصفتها ألبانيز نفسها بأنها "تحذير لأي شخص يجرؤ على الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان والعدالة والحرية".
وقد سبق هذه الخطوة محاولات لعزل ألبانيز من منصبها منذ عام 2023، حين طالب 18 عضواً في الكونغرس الأميركي من الحزبين بإقالتها بدعوى "تحيزها ضد إسرائيل". وفي مسار قضائي لاحق، أوقف قاضٍ اتحادي أميركي مؤقتاً العمل بهذه العقوبات في أيار/مايو 2026، بعد أن خلص إلى أن الإدارة الأميركية "انتهكت على الأرجح" حق ألبانيز في حرية التعبير من خلال فرض هذه الإجراءات عقاباً على انتقادها لحرب إسرائيل على غزة.
نمط متكرر: من التوثيق إلى العقاب
يكشف تتبع هذه الحوادث مجتمعة نمطاً واضحاً: كل مؤسسة أو شخصية دولية توثق الانتهاكات الإسرائيلية أو تسعى للمساءلة القانونية بشأنها - سواء كانت وكالة أممية للإغاثة، أو منظمة إنسانية ميدانية، أو محكمة جنائية دولية، أو مقررة أممية مستقلة - تتحول بدورها إلى هدف مباشر للحملات القانونية والسياسية والعقابية، بدعم أميركي مباشر في أغلب الحالات. ويرى حقوقيون أن هذا النمط يهدف عملياً إلى تفكيك منظومة المساءلة الدولية بأكملها المرتبطة بالحرب على غزة، عبر معاقبة كل حلقة فيها بدلاً من الرد على مضمون الاتهامات الموجهة لإسرائيل نفسها.
خلاصة
يظهر استهداف إسرائيل المتصاعد للمؤسسات الدولية أنه لم يعد إجراءً استثنائياً أو رد فعل عابراً، بل تحوّل إلى سياسة ممنهجة متعددة المستويات: تقويض تمويل ونشاط وكالات الإغاثة الأممية والدولية ميدانياً، ومعاقبة قضاة المحكمة الجنائية الدولية بصفتهم الشخصية، وصولاً إلى فرض عقوبات مباشرة على مقررين أمميين مستقلين بسبب تقاريرهم وتوثيقهم للانتهاكات. وبينما تدافع إسرائيل عن هذه الإجراءات بوصفها ردوداً على "تحيز" أو "تواطؤ" مزعوم لهذه المؤسسات، يرى حقوقيون ومراقبون دوليون أن الأثر التراكمي لهذه الحملة يهدد بإضعاف منظومة الحماية والمساءلة الدولية بأكملها التي يُفترض أن تحمي المدنيين في مناطق النزاع، بصرف النظر عن الجهة المعتدية أو المعتدى عليها.