تركيا وإسرائيل.. هل باتت المواجهة حتمية؟
رغم أن كلا الجانبين يعلنان رسمياً عدم رغبتهما في مواجهة مباشرة فإن التصعيد الميداني المتكرر، يجعل الحديث عن "مواجهة حتمية" أقرب إلى تقييم واقعي
تقرير تحليلي - فيميد
بلغ التوتر بين تركيا وإسرائيل هذا الأسبوع أحد أخطر منعطفاته منذ سقوط نظام بشار الأسد، بعدما نفذت إسرائيل ضربة جوية استهدفت قاعدة أبو الظهور العسكرية شمال غربي سوريا، ووجّه قائد الجيش الإسرائيلي "تحذيراً مبطناً" لأنقرة، في وقت تحدثت فيه واشنطن عن أن الضربة "كادت تقود إلى مواجهة أوسع" بين الطرفين. هذا التصعيد الأخير يعيد إلى الواجهة سؤالاً يتردد في أروقة صنع القرار الإسرائيلي منذ أكثر من عام: هل باتت المواجهة مع تركيا مسألة وقت لا أكثر؟
الضربة الأخيرة: شرارة تكشف عمق الأزمة
نفذت إسرائيل مطلع هذا الأسبوع (آب/أغسطس 2026) غارة استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية، مبررة ذلك بادعاء أن تركيا كانت تستعد لنشر قوات فيها. ودافع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن الضربة بلهجة حادة غير مسبوقة، قائلاً في مقطع فيديو نشره حزب الليكود: "لن نتسامح مع أي حشد عسكري تركي يتجه جنوباً ويهددنا... رأينا أن هناك نية تركية لنشر قوات في قاعدة جوية جنوب خطها، بالقرب من حلب، فأبلغناهم بذلك"، مضيفاً بلهجة تهديدية: "كيف أصف ذلك؟ الرسالة كانت: لا تفعلوا". وأكد في تصريح آخر: "لقد أوضحنا الرسالة جلياً: لا تفعلوا ذلك. يبدو أنهم لم يستوعبوا الرسالة جيداً، لذا حرصنا على توضيحها لهم بشكل أفضل".
ولم يكتفِ الجانب الإسرائيلي بتصريحات نتنياهو، إذ وجّه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الفريق إيال زامير، خلال لقائه بالقوات الإسرائيلية في سوريا، تحذيراً إضافياً دون تسمية تركيا صراحة، قائلاً: "علينا منع تنامي التهديدات الإرهابية، وفي الوقت نفسه منع تشكيل أي تهديد عسكري كبير على حدودنا... نحن نعرف كيف نستخدم قدراتنا العملياتية بدقة، حيثما ومتى دعت الحاجة".
الرد التركي: اتهام مباشر بـ “إضفاء الشرعية على العدوان"
ردت الحكومة التركية بشكل رسمي وحاد، إذ وصفت الرئاسة التركية تصريحات نتنياهو بأنها "باطلة"، مؤكدة أنها "لن تسمح أبداً بأي محاولات لزعزعة استقرار سوريا". وذهب البيان الحكومي التركي أبعد من ذلك، معتبراً أن ادعاءات نتنياهو بشأن "الانتشار الوشيك" تهدف إلى "إضفاء الشرعية على الغارات الجوية الإسرائيلية غير القانونية التي تستهدف سيادة سوريا ووحدة أراضيها".
من جانبه، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في تصريحات لوكالة "رويترز" على هامش اجتماع لوزراء خارجية الناتو في بروكسل أن أنقرة "لا تريد رؤية أي مواجهة مع إسرائيل في سوريا لأن سوريا ملك للسوريين"، محذراً في الوقت ذاته من أن الضربات الإسرائيلية المتكررة "تقوّض قدرة الحكومة السورية الجديدة على ردع التهديدات، بما فيها تنظيم الدولة"، وقال إن ما تقوم به إسرائيل "لا يهدد أمن سوريا فحسب، بل يمهد الطريق أيضاً لعدم استقرار المنطقة مستقبلاً".
سوريا.. الساحة الأكثر ترشحاً للانفجار
يرى محللون، من بينهم تحليل نشرته الجزيرة نت أواخر عام 2025، أن سيناريو المواجهة غير المباشرة يبقى الأرجح حالياً، وأن "ساحتها المحتملة سوريا بشكل أساسي، حيث تتوفر عناصر التفجير بشكل مكثف من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة المتمادية". ويشير التحليل إلى أن الطرفين يدعمان أطرافاً متنافسة داخل سوريا: فحكومة نتنياهو أعلنت أكثر من مرة دعمها لـ “قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في مواجهة النفوذ التركي، بينما تنظر أنقرة إلى مماطلة "قسد" في الاندماج بالجيش السوري كجزء من رهانها على الدعم الإسرائيلي لها.
وأكد وزير خارجية تركيا فيدان أن أنقرة تعمل مع شركاء إقليميين لتشكيل منصة مشتركة مع دمشق لمنع عودة تنظيم "داعش"، محذراً من أن تقويض هذا الجهد يهدد بإعادة المنطقة بأكملها إلى الفوضى.
سابقة توصية لجنة "ناغل": الاستعداد لمواجهة "خلال سنوات"
يستند تقييم خطورة الموقف أيضاً إلى تقرير رسمي أعدته "لجنة تقييم ميزانية المؤسسة الدفاعية وموازين القوى" الإسرائيلية، برئاسة اللواء المتقاعد يعقوب ناغل، المستشار السابق للأمن القومي لدى نتنياهو، والتي أوصت الحكومة الإسرائيلية بضرورة الاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة مع تركيا "خلال سنوات". وجاء في التقرير أن إسرائيل "لا يمكنها تحمل خسارة حتى حرب رئيسية واحدة"، محذراً من أنه بعيداً عن التهديد الإيراني، قد تتحول سوريا الجديدة، تحت النفوذ التركي، إلى تهديد أكثر خطورة على الحدود الشمالية لإسرائيل من نظام الأسد نفسه".
تصريحات متبادلة تسبق التصعيد الأخير
لم يكن التصعيد الحالي الأول من نوعه. ففي أيلول/سبتمبر 2024، وصف وزير الخارجية الإسرائيلي حينها يسرائيل كاتس تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي دعا لتشكيل تحالف إسلامي لوقف ما وصفه بـ"التوسع الإسرائيلي"، بأنها "كذبة خطيرة وتحريض"، متهماً أردوغان بالعمل منذ سنوات مع إيران لتقويض الأنظمة العربية المعتدلة. وفي مناسبة سابقة عام 2018، وصف نتنياهو أردوغان عبر منصة إكس بأنه "محتل شمال قبرص الذي تذبح قواته النساء والأطفال في القرى الكردية"، فيما رد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن بأن أنقرة "لا تحتاج إذناً من إسرائيل أو أي دولة أخرى لمحاربة الإرهاب"، ووصف نتنياهو بأنه "صوت الطغاة" ورأس "إرهاب الدولة".
كما سبق لأردوغان أن هدد صراحة بتعزيز قوة تركيا العسكرية "حتى لا تستطيع إسرائيل فعل ما تفعله ضد الفلسطينيين"، مستحضراً تدخل بلاده العسكري في ليبيا وقره باغ كنموذج - وهو تصريح رد عليه كاتس آنذاك بتهديد أردوغان بـ “مصير صدام حسين".
تحركات واشنطن لمنع الصدام
في ظل هذا التصعيد، كشف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والسفير لدى تركيا توماس براك أن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لتفادي الصدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا، محذراً من أن الغارة الأخيرة على أبو الظهور "كادت تقود إلى مواجهة أوسع"، خصوصاً أن تركيا لم تتلقَّ أي إخطار مسبق بالضربة الإسرائيلية، ورصدت طائراتها الحربية أثناء توجهها شمالاً باتجاه مناطق قريبة من حدودها - وهو ما كان يمكن أن يدفع أنقرة، بحسب براك، إلى الاستعداد لرد عسكري مباشر. وسبق لتركيا وإسرائيل أن أجرتا محادثات فنية في نيسان/أبريل 2025 في أذربيجان لإنشاء آلية "منع تصادم" تحول دون وقوع اشتباكات أو سوء تفاهم بين قوات البلدين في سوريا، وأعلن مكتب نتنياهو حينها اتفاق الطرفين على "مواصلة الحوار للحفاظ على الاستقرار الإقليمي".
مواجهة مؤجلة لا محتومة.. لكنها تقترب
يكشف مسار الأحداث أن العلاقة بين تركيا وإسرائيل تحولت من عداء دبلوماسي وإعلامي متبادل إلى مواجهة ميدانية غير مباشرة فعلية داخل الأراضي السورية، تتقاطع فيها مصالح الطرفين حول نفوذ سياسي وعسكري متنافس في دمشق. ورغم أن كلا الجانبين يعلنان رسمياً عدم رغبتهما في مواجهة مباشرة - كما أكد فيدان صراحة - فإن التصعيد الميداني المتكرر، والتصريحات التهديدية المباشرة من أعلى المستويات العسكرية والسياسية في إسرائيل، إلى جانب توصيات مؤسسات إسرائيلية رسمية بالاستعداد لهذا السيناريو "خلال سنوات"، يجعل الحديث عن "مواجهة حتمية" أقرب إلى تقييم واقعي متصاعد منه إلى تكهن بعيد الاحتمال، في ظل غياب أي مؤشر على تراجع فعلي في وتيرة الضربات الإسرائيلية داخل سوريا أو في حجم النفوذ التركي المتنامي هناك.