قصة الانتخابات في زمن الرئيس محمود عباس
نحن بحاجة إلى انتخابات، لا باعتبارها مجرد استحقاق قانوني، بل باعتبارها مدخلًا لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير بمشاركة جميع القوى الفلسطينية.
بقلم: إبراهيم المدهون
لا شك أن زمن الرئيس محمود عباس يختلف جذريًا عن زمن الرئيس ياسر عرفات «أبو عمار». فقد كان أبو عمار يميل إلى هندسة المشهد السياسي بطريقة توافقية، واتباع سياسة الاحتواء، بينما اتسمت العلاقة بينه وبين محمود عباس بصراع سياسي واضح حول أسلوب الحكم وإدارة النظام السياسي.
وكانت هناك مواقف وتحركات سياسية داخل قيادة حركة فتح والسلطة عُدّت في حينها تمردًا على أبو عمار، وبرز فيها اسم محمود عباس ومحمد دحلان، قبل أن تتصاعد الخلافات في السنوات الأخيرة من حياة الرئيس عرفات.
ومن أبرز الانتقادات التي كان يوجهها أبو مازن إلى أبو عمار عدم إجرائه انتخابات حقيقية، واعتماده على التوافق والاحتواء بدلًا من الاحتكام المستمر إلى صناديق الاقتراع. لكن المفارقة أن المسار الانتخابي في عهد أبو مازن لم يكن أفضل حالًا، بل شهد تعطيلًا متكررًا للانتخابات وتأجيلًا للاستحقاقات في أكثر من محطة.
بعد وفاة أبو عمار عام 2004، جرى الدفع بمحمود عباس ليكون الرجل الثاني والبديل في قيادة السلطة، وبدأت حوارات وطنية واسعة، خصوصًا مع حركة حماس، انتهت إلى إجراء الانتخابات الرئاسية عام 2005.
وقد أعلنت حماس أنها لن تنافس أبو مازن على منصب الرئاسة، ولن تشارك في الانتخابات، ولن تدعم مرشحًا منافسًا له. ومع ذلك، ترشح مصطفى البرغوثي، الذي لم يكن مدعومًا من حماس أو من حركة فتح أو من قوى اليسار بصورة موحدة، وتمكن من تحقيق نسبة لافتة من الأصوات، رغم أن أبو مازن خاض الانتخابات في ظل غياب منافسة حقيقية من القوى الكبرى، وفاز بنسبة لم تكن حاسمة، بما عكس محدودية حضوره الجماهيري آنذاك.
وفي اتفاق القاهرة عام 2005 المهم والاستراتيجي آن ذاك، جرى التوافق على إجراء سلسلة من الانتخابات، شملت الانتخابات البلدية والتشريعية والمجلس الوطني. وهنا بدأ مسار طويل من التأجيل والتقسيم وإعادة هندسة الاستحقاقات الانتخابية.
فقد قُسّمت الانتخابات البلدية إلى مراحل، وفي المرحلة الأولى حققت حركة حماس نتائج كبيرة، قبل أن تتعطل المراحل الاخرى وسط محاولات لإدارة المشهد الانتخابي بطريقة تحد من تأثير النتائج.
ثم جاءت الانتخابات التشريعية عام 2006، وبعد تردد ومحاولات للتأجيل، جرت الانتخابات في ظل إصرار حركة حماس وإرادة إقليمية ودولية بإجرائها، فحققت الحركة فوزًا كبيرًا وحازت أغلبية مقاعد المجلس التشريعي.
وكان من المفترض أن يتبع ذلك استكمال انتخابات المجلس الوطني، بما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل منظمة التحرير وإدخال حماس وبقية القوى السياسية إليها، لكن هذه الانتخابات لم تُجرَ، وبقيت منظمة التحرير ومؤسساتها خارج عملية التجديد الديمقراطي.
ثم وقع الانقسام الفلسطيني عام 2007، وتعمقت الأزمة السياسية. وانتهت ولاية الرئيس أبو مازن عام 2009، لكنه لم يذهب إلى انتخابات رئاسية جديدة، بل جرى تمديد الوضع القائم سياسيًا، والاستناد إلى مواقف وقرارات عربية، بدلًا من العودة إلى الشعب الفلسطيني وصندوق الاقتراع لتجديد الشرعية.
وخلال السنوات التالية، حاولت حماس وفصائل فلسطينية أخرى الدفع باتجاه الانتخابات والمصالحة، لكن دون الوصول إلى نتيجة حاسمة.
وفي عام 2014، قدمت حماس تنازلًا استراتيجيًا، من وجهة نظري، عندما وافقت على تشكيل حكومة توافق وطني وتسليم إدارة الحكومة، على أمل أن يكون ذلك مدخلًا لإنهاء الانقسام والذهاب إلى انتخابات شاملة. لكن أبو مازن لم يحول هذه الخطوة إلى مسار انتخابي شامل، بل تعزز الانقسام وتعمقت الفجوة بين فتح وحماس وبين الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبعد حرب عام 2014، وفي عام 2017، برز الشهيد يحيى السنوار كأحد أبرز الداعين إلى تحقيق المصالحة. وقدم خطوات مهمة باتجاه إعادة ترتيب العلاقة مع السلطة وتسليم إدارة قطاع غزة، إلا أن الخلاف اصطدم بمسألة السيطرة الأمنية والسلاح، إذ أراد أبو مازن تسليم كل شيء بطريقة تعجيزية، بما في ذلك ما فوق الأرض وما تحتها، وطالب بتفكيك سلاح المقاومة، وهو ما جعل المصالحة تصطدم بجدار سياسي وأمني صعب.
ومع ذلك، استمرت المحاولات. وفي مرحلة لاحقة، قاد الشهيد صالح العاروري حوارًا مع جبريل الرجوب، وتوصلا في إسطنبول إلى تفاهمات باتجاه إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية.
وكانت حماس، وفق هذا المسار، مستعدة لخوض الانتخابات دون التمسك بموقع الرئاسة، وترك المجال مفتوحًا أمام مرشح من حركة فتح أو غيرها. لكن دخول مروان البرغوثي كمرشح محتمل، إلى جانب بروز تيار محمد دحلان، أربك الحسابات الانتخابية للرئيس عباس ورفع منسوب القلق داخل قيادة السلطة.
ثم جاءت ذريعة القدس لتأجيل الانتخابات، رغم أن الأسباب الأعمق، في تقديري، كانت مرتبطة بتعقيدات المشهد الداخلي في فتح، واحتمالات التنافس بين مروان البرغوثي ومحمد دحلان وأبو مازن.
بعد ذلك جاءت معركة سيف القدس، ثم عملية طوفان الأقصى وحرب الإبادة على قطاع غزة. وخلال هذه المراحل، كان موقف الرئيس أبو مازن، في تقديري، سلبيًا وضعيفًا مقارنة بالدور الذي يفترض أن يقوم به رئيس السلطة ورئيس منظمة التحرير والممثل الرسمي للشعب الفلسطيني على المستوى الدولي.
واليوم، وبعد ضغوط عربية وإقليمية، يعود الحديث مجددًا عن الانتخابات. لكن بدل البدء بانتخابات رئاسية وتجديد شامل للشرعيات، يجري التركيز على انتخابات المجلس التشريعي، في ظل مراسيم واشتراطات سياسية وقانونية تثير مخاوف حقيقية من محاولة الحد من مشاركة بعض المكونات الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس.
ومع ذلك، فإن حماس وبقية الفصائل والقوى الفلسطينية تبدو معنية بالمشاركة. فواقع الحياة السياسية الفلسطينية اليوم راكد ومأزوم إلى درجة تجعل الانتخابات، مهما كانت نتائجها، أفضل من استمرار الجمود القائم.
ولهذا اتجهت حماس إلى المشاورات الوطنية، وبدأت ملامح تحالف يضم عددًا من القوى والمكونات الفلسطينية، بينما بقيت حركة فتح بقيادة أبو مازن خارج هذا الترتيب حتى الآن.
نحن أمام مرحلة معقدة وصعبة. والاحتمال الأكبر، في تقديري، أن يحاول أبو مازن الهروب من الانتخابات كما حدث في محطات سابقة، إذا شعر أن نتائجها قد تهدد توازنات السلطة القائمة.
لكن إذا جرت الانتخابات فعلًا، فإنها قد تكون نقطة تحول حقيقية في السياسة الفلسطينية، وقد تعيد تشكيل الخريطة السياسية برمتها.
نحن بحاجة إلى انتخابات، لا باعتبارها مجرد استحقاق قانوني، بل باعتبارها مدخلًا لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير بمشاركة جميع القوى الفلسطينية، وتجديد مؤسساتنا الوطنية، سواء مؤسسة الرئاسة أو المجلس التشريعي أو غيرهما.
ولهذا، لا أستطيع إلا أن أكون مع الانتخابات، وأتمنى نجاحها. ليس المهم بالنسبة لي من يفوز، ولا من يشكل الأغلبية، ولا أي فصيل يخرج منتصرًا. المهم أن تجري الانتخابات، وأن يُمنح الشعب الفلسطيني حقه في التعبير عن إرادته، وأن يشارك الجميع في صناعة القرار الوطني.
فالشعب الفلسطيني هو صاحب الحق في اختيار قيادته ومؤسساته، وليس أي فرد أو فصيل أو جهة إقليمية.
وفي ظل كل ما نواجهه من احتلال وحرب وإبادة وتحديات سياسية ووطنية، فإن استعادة الشرعية الشعبية وتجديد المؤسسات وإشراك الكل الفلسطيني لم تعد ترفًا سياسيًا، بل أصبحت ضرورة وطنية لا تحتمل المزيد من التأجيل.