تقرير خاص – فيميد

 

منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، تحول جهاز الشرطة المدنية الفلسطينية إلى هدف متكرر لضربات إسرائيلية شبه يومية، رغم أنه جهاز مدني يُفترض أن يحظى بحماية بموجب القانون الدولي الإنساني. ويرى محللون ومنظمات حقوقية فلسطينية أن هذا الاستهداف الممنهج ليس حوادث معزولة، بل يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية واضحة لإحداث فراغ أمني ونشر الفوضى داخل المجتمع الفلسطيني في غزة.

الوسائل: من الطائرات المسيّرة إلى الغارات الجوية المباشرة

اعتمدت إسرائيل في استهداف عناصر وضباط الشرطة على نمط متكرر من الوسائل، أبرزها:

الطائرات المسيّرة: استُخدمت لاستهداف تجمعات صغيرة لعناصر الأمن في نقاط ثابتة أو أثناء دورياتهم، كما حدث في استهداف مجموعة من عناصر الشرطة قرب مركز شرطة الشيخ رضوان في 24 نيسان/أبريل 2026، حيث وثّقت كاميرات المراقبة لحظة القصف المباغت.

الغارات الجوية على المقرات: استهدفت مراكز شرطة كاملة، كما حدث في مجزرة مركز شرطة مخيم جباليا في 14 تموز/يوليو 2026، ومجزرة مقر شرطة البلديات وسط مدينة غزة في 19 آب/أغسطس 2026.

استهداف المركبات: استُخدم قصف السيارات والدراجات النارية والهوائية لتنفيذ عمليات اغتيال دقيقة لقيادات بعينها، كما في اغتيال مديري شرطة محافظتي غزة وشمال غزة.

حجة "الاستعداد لتنفيذ مخططات هجومية": يكرر الجيش الإسرائيلي في بياناته الرسمية عقب كل عملية استهداف مبرراً ثابتاً يتحدث عن استهداف "عناصر يعدّون لمخططات إرهابية" أو "قادة في الجناح العسكري لحماس"، وهي مبررات تنفيها وزارة الداخلية في غزة جملة وتفصيلاً، معتبرة أنها ذرائع لتبرير استهداف جهاز مدني بحت.

سرد تاريخي لأبرز عمليات الاستهداف منذ وقف إطلاق النار

24 نيسان/أبريل 2026: استهدفت طائرة مسيّرة مجموعة من عناصر الشرطة قرب مركز شرطة الشيخ رضوان بمدينة غزة، ما أسفر عن استشهاد النقيب عمران عمر اللدعة والملازم أحمد إبراهيم القصاص، وإصابة اثنين آخرين بجراح خطيرة، توثقت الحادثة بكاميرات مراقبة كذّبت مزاعم الجيش الإسرائيلي بوجود تهديد.

7 أيار/مايو 2026: استُشهد ثلاثة من ضباط الشرطة في غارة جوية استهدفت مقرهم الأمني غربي مدينة غزة مباشرة.

حتى نهاية نيسان/أبريل 2026: بلغت حصيلة الشرطة الفلسطينية 27 شهيداً وعشرات الجرحى من الضباط والعناصر منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، بحسب المديرية العامة للشرطة في غزة، التي وجهت انتقادات لصمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر واعتبرته "تواطؤاً" يشجع الاحتلال على مواصلة جرائمه.

14 تموز/يوليو 2026: وقعت مجزرة مركز شرطة مخيم جباليا، وراح ضحيتها 7 من ضباط وأفراد الشرطة، على رأسهم مدير المركز ونائبه المقدم يامن محمد عبيد (48 عاماً)، الذي استُشهد لاحقاً متأثراً بجراحه.

25 تموز/يوليو 2026: اغتيل مدير شرطة محافظة شمال غزة العميد عبد الناصر محمد المقادمة (54 عاماً) في قصف جوي استهدفه مباشرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، أقل من أسبوعين على مجزرة جباليا، فيما اعتبرته وزارة الداخلية "إمعاناً في استهداف الشرطة المدنية".

13 آب/أغسطس 2026: استُشهد مدير شرطة محافظة غزة جمال أبو كميل في غارة إسرائيلية استهدفت مركبته في حي الشيخ عجلين، ضمن موجة غارات إسرائيلية شملت أيضاً استهداف "قائد سرية" في خان يونس بحسب ادعاء الجيش الإسرائيلي.

19 آب/أغسطس 2026: نفذت إسرائيل واحدة من أعنف عمليات استهداف الشرطة منذ الهدنة، بغارة استهدفت مقر شرطة البلديات وسط مدينة غزة، أسفرت عن استشهاد تسعة فلسطينيين، ثمانية منهم من ضباط الشرطة إلى جانب طفلة نازحة، وإصابة أكثر من 15 آخرين، ووصفتها حماس بأنها "جريمة حرب صهيونية" ومحاولة لتقويض اتفاق وقف إطلاق النار.

الأهداف: نشر الفوضى وإضعاف قبضة حماس الأمنية

يجمع محللون ومؤسسات حقوقية فلسطينية على أن هذا النمط من الاستهداف يخدم مجموعة أهداف مترابطة:

إحداث فراغ أمني ونشر الفوضى المجتمعية

تصف وزارة الداخلية في غزة، في بيانات متكررة، هذا الاستهداف بأنه محاولة "لتغييب جهاز الشرطة ونشر الفوضى داخل المجتمع الفلسطيني". ويرى مقال تحليلي أن استهداف رجل الشرطة تحديداً "رسالة سياسية وأمنية مركبة تستهدف بنية المجتمع قبل أن تستهدف الفرد"، موضحاً أن "إسقاط المؤسسات يبدأ دائماً بإضعاف أدواتها التنفيذية، لأن انهيار الأمن يسبق في الغالب انهيار السياسة".

إضعاف قدرة حماس على السيطرة الأمنية دون حرب مباشرة

يرى محللون أن استهداف قيادات الشرطة والأجهزة المدنية يندرج ضمن سياسة إسرائيلية أوسع لإضعاف قدرة حركة حماس على السيطرة الأمنية في مناطق تحت حكمها، عبر اغتيال المسؤولين المشرفين على الأمن والخدمات، بما يحد من قدرة الحركة على فرض النظام وإدارة مؤسسات الحكم، ويزيد في المقابل من مظاهر الانفلات الأمني التي يمكن استثمارها سياسياً لاحقاً.

عرقلة دمج الشرطة ضمن الترتيبات الأمنية الجديدة لما بعد الحرب

يمثل ملف ضباط شرطة حماس، البالغ عددهم نحو 10 آلاف ضابط، نقطة خلاف جوهرية في المفاوضات الجارية حول المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، والتي تدعو الحركة لنزع سلاحها وتسليم الحكم للجنة تكنوقراط فلسطينيين تتولى إدارة شرطة جديدة مع انسحاب القوات الإسرائيلية. وترفض إسرائيل بشكل قاطع مشاركة أي ضباط لهم صلة بحماس ضمن هذه القوة المستقبلية، بينما تريد الحركة ضمهم إليها - وهو ما يفسر، بحسب مراقبين، استمرار استهداف هذه الكوادر ميدانياً بالتوازي مع الخلاف السياسي حول مصيرها.

خدمة مخططات التهجير القسري

اعتبرت حماس أن استهداف أجهزة الأمن المدنية بصورة ممنهجة يهدف إلى إحداث فلتان أمني ونشر الفوضى وضرب مقومات الاستقرار في القطاع، بما يخدم في نهاية المطاف مخططات التهجير القسري للسكان، عبر جعل الحياة اليومية أكثر انعداماً للأمان في غياب أي جهة قادرة على حفظ النظام العام.

اتهامات بانتهاك القانون الدولي

اعتبر مركز غزة لحقوق الإنسان أن استهداف عناصر الشرطة والأمن الذين يؤدون مهام مدنية بحتة في إطار حفظ النظام العام، إلى جانب استهداف تجمعات مدنية في مناطق مكتظة بالنازحين، يمثل "انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والضرورة"، ويرقى إلى مستوى جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما حذّر مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة من أن المؤشرات الميدانية المتزايدة تنذر بانهيار مشروع وقف إطلاق النار بأكمله، متسائلاً عن دور الوسطاء ومجلس الأمن و"مجلس السلام" في ظل استمرار هذه الانتهاكات اليومية.

خلاصة

يكشف تتبع نمط استهداف الشرطة الفلسطينية في غزة، من نيسان/أبريل وحتى آب/أغسطس 2026، عن سياسة ممنهجة ومتصاعدة تتجاوز الحوادث الفردية إلى استراتيجية واضحة المعالم: تفكيك آخر مؤسسة مدنية قادرة على حفظ النظام العام داخل القطاع، في مرحلة يُفترض أن يسودها "وقف لإطلاق النار". ويحذر مراقبون فلسطينيون من أن استمرار هذا النهج، بمعزل عن أي رادع دولي فعلي، يهدد بتحويل غزة إلى بيئة أمنية منهارة بالكامل، بصرف النظر عن نتائج المسار السياسي والتفاوضي الأوسع المرتبط بمستقبل القطاع.

 

file_6a86e0e6093df