التوسع الاستيطاني.. كيف تقضي إسرائيل على حل الدولتين؟
بحلول نهاية عام 2025، بلغ عدد المستوطنات الرسمية في الضفة الغربية نحو 350 مستوطنة، من بينها نحو 200 بؤرة استيطانية "غير قانونية" حتى وفق القانون الإسرائيلي نفسه.
تقرير تحليلي - فيميد
لم يعد التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس يُدار كسياسة عشوائية أو استجابة أمنية آنية، بل يتحرك اليوم وفق مخططات هندسية وإدارية دقيقة تستهدف تكريس وقائع جغرافية وديموغرافية يصعب التراجع عنها مستقبلاً، بما يجعل من "حل الدولتين" - كما تصفه جهات فلسطينية ودولية متابعة للملف - أقرب إلى فكرة نظرية تتآكل يوماً بعد يوم أمام مشاريع بناء وتهجير متسارعة على الأرض.
أرقام تكشف تسارعاً غير مسبوق
بحلول نهاية عام 2025، بلغ عدد المستوطنات الرسمية في الضفة الغربية نحو 350 مستوطنة، من بينها نحو 200 بؤرة استيطانية "غير قانونية" حتى وفق القانون الإسرائيلي نفسه، تعمل الحكومة الحالية على شرعنتها بأثر رجعي. وارتفع هذا العدد مطلع عام 2026 إلى 352 بؤرة و192 مستوطنة رسمية، يسكنها نحو 792 ألف مستوطن.
وشهد عام 2025 وحده تقديم أو الموافقة على أو طرح مناقصات لبناء نحو 47,390 وحدة استيطانية جديدة - مقارنة بنحو 26,170 وحدة عام 2024 فقط - في أعلى مستوى استيطاني تشهده الضفة منذ عام 2017 على الأقل، وبمعدل يفوق بأكثر من الثلاثة أضعاف المتوسط السنوي المسجل بين عامي 2017 و2022 (نحو 12,800 وحدة سنوياً).
"E1” المخطط الذي يحسم فصل الضفة "إلى الأبد"
يمثل مخطط "إي 1" (E1) النموذج الأوضح على تحول الاستيطان من توسع عمراني إلى أداة هندسية لفرض واقع سياسي نهائي. ويقع المخطط، الذي صادقت عليه حكومة الاحتلال أصلاً منذ عام 1999 قبل أن يُعاد تفعيله بقوة في العامين الأخيرين، على مساحة نحو 12 ألف دونم بين مستوطنتي "معاليه أدوميم" و"بسجات زئيف"، ويهدف إلى ربط "معاليه أدوميم" بمدينة القدس المحتلة وفصلها بالكامل عن محيطها الفلسطيني.
وبحسب مدير عام التوثيق في هيئة شؤون مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود، فإن شارع رقم "واحد" القائم حالياً يقسم الضفة عملياً إلى شمال وجنوب، لكن تطبيق مخطط "E1" بالكامل على الأرض سيحسم هذا الفصل "إلى الأبد" - عبر إقامة شارع بديل مخصص للفلسطينيين يُطلق عليه اسم "نسيج الحياة"، بينما يصبح الشارع الرئيسي القائم مخصصاً حصرياً للمستوطنين. ويندرج هذا المخطط ضمن مشروع أوسع يُعرف بـ “القدس الكبرى"، يهدف إلى ضم ثلاث كتل استيطانية كبرى - معاليه أدوميم وجفعات زئيف وغوش عتصيون - إلى الحدود الإدارية لبلدية الاحتلال في القدس.
وحذّرت دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية من أن هذا التوسع، الذي تنظر فيه "اللجنة العليا للتخطيط" الإسرائيلية في جلسة مقررة مطلع آب/أغسطس الجاري للبت في خطة بناء أكثر من 3,400 وحدة استيطانية جديدة، يهدد بشكل مباشر أكثر من 18 تجمعاً بدوياً يقطنه نحو 3,700 نسمة، معظمهم من عشيرتي الجهالين والسواحرة، الذين يواجهون خطر التهجير القسري للمرة الثالثة منذ عام 1948.
"حي شامي".. تفكيك الوجود البدوي تمهيداً للمشروع الأكبر
في سياق مرتبط مباشرة بمشروع E1، حذّرت محافظة القدس الفلسطينية من مخطط استعماري يحمل الرقم (1627/7) يُعرف باسم "حي شامي"، معتبرة إياه أداة متقدمة لإعادة هندسة الوجود البدوي في بادية القدس. وأوضحت المحافظة أن هذا المخطط يرتبط ارتباطاً مباشراً بمشروع "E1"، وأن الوجود البدوي في المنطقة يمثل بحد ذاته "عقبة" أمام تنفيذه، ما يفسر استهدافه المباشر بسياسات التفكيك والإزالة الممنهجة، في انتهاك وصفته المحافظة بأنه يخالف الحظر المطلق على النقل القسري وفق اتفاقية جنيف الرابعة.
استيلاء صامت يوازي 300 ألف دونم في عام واحد
لا يقتصر فرض الواقع الجديد على المخططات الكبرى المعلنة كـ"E1"، بل يمتد إلى مسار تراكمي أكثر صمتاً لكنه لا يقل خطورة: السيطرة الفعلية على الأرض عبر التصنيف الإداري. فبحسب بيانات حديثة، يسيطر المستوطنون فعلياً على أكثر من 1.07 مليون دونم من أراضي الضفة (نحو 18% من مساحتها)، بعدما أضافوا خلال عام 2025 وحده نحو 300 ألف دونم جديد إلى مناطق سيطرتهم - أي ما يقارب ثلث إجمالي المساحة المسيطر عليها تاريخياً أُضيف خلال عام واحد فقط.
ويعتمد هذا التوسع على نمط "الاستيطان الرعوي"، القائم على إقامة مزارع استيطانية صغيرة تُستخدم كأداة عملية للسيطرة التدريجية على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية المحيطة بها، دون الحاجة لإقامة مستوطنة رسمية كاملة البنية - وهو أسلوب يتيح تثبيت الوجود الإسرائيلي على الأرض بسرعة أكبر وبتكلفة سياسية أقل من إعلان مستوطنات جديدة رسمياً.
تفريغ تصنيف أوسلو الثلاثي من مضمونه
يكشف واقع الأرض اليوم أن تصنيف المناطق الثلاثي (أ، ب، ج) الذي أقرّه اتفاق أوسلو كترتيب انتقالي مؤقت، تحوّل إلى إطار دائم يُستخدم لتبرير التوسع بدل تقييده. فمن أصل مساحة "المنطقة ج" التي تمثل 61% من إجمالي مساحة الضفة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، باتت 42% منها خاضعة لإجراءات استيطانية مباشرة، مقابل تصنيف 15% من إجمالي أراضي الضفة كـ “أراضي دولة"، و18% كـ “مناطق تدريب عسكري"، و12.4% كـ “مناطق نفوذ للمستوطنات"، و3% كشوارع استيطانية حصرية - وهي تصنيفات إدارية توفر لإسرائيل غطاءً قانونياً محلياً لتوسيع سيطرتها دون الحاجة لإعلان ضم رسمي صريح يثير ردود فعل دولية فورية.
الاستيطان والعنف.. مساران متداخلان
يشير نمط الأحداث في الضفة إلى أن إقامة البؤر الاستيطانية والعنف ضد الفلسطينيين يسيران في كثير من الحالات جنباً إلى جنب. فالبؤرة تبدأ غالباً بعدد محدود من المباني أو الخيام، ثم تتوسع تدريجياً، بينما يتعرض الفلسطينيون في المناطق المحيطة لضغوط تشمل منع الوصول إلى الأراضي، والاعتداء على المزارعين والرعاة، وتخريب مصادر المياه والممتلكات، وقطع الطرق. وتقول منظمات دولية وحقوقية إن هذا النمط يؤدي في النهاية إلى تهجير السكان من مناطقهم دون الحاجة إلى إصدار قرار رسمي بإخلائهم.
وفي تموز/يوليو الماضي، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 3,200 فلسطيني نزحوا في الضفة خلال عام 2026 نتيجة هجمات المستوطنين وعمليات الهدم، بمعدل يقارب 17 شخصاً يومياً، وهو ضعف المعدل اليومي المسجل خلال السنوات الثلاث السابقة.
أرقام تكشف اتساع الظاهرة
تأتي هذه الاعتداءات في سياق أوسع بكثير من الأحداث المسجلة خلال الفترة الأخيرة. فبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، أُصيب نحو 880 فلسطينياً في سياق هجمات المستوطنين منذ بداية عام 2026 حتى أواخر تموز/يوليو، بينهم 720 أصيبوا مباشرة على أيدي المستوطنين. كما سجلت الأمم المتحدة أكثر من 3 آلاف هجوم للمستوطنين ضد الفلسطينيين منذ عام 2025، في مؤشر على اتساع نطاق العنف وتكراره. وتُظهر البيانات الأممية أن الاعتداءات لا تقتصر على الإصابات الجسدية، بل تشمل تخريب الممتلكات، وقطع الطرق، وإتلاف المحاصيل، والاستيلاء على الأراضي.
وفي النصف الأول من عام 2026، تحدثت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية عن تسجيل 3,488 اعتداءً للمستوطنين شملت مهاجمة القرى والمواطنين وإحراق المنازل وإطلاق النار والاستيلاء على الأراضي وإقامة البؤر الاستيطانية، أسفرت عن استشهاد 17 فلسطينياً.
عنف منظم كأداة تكميلية لفرض الأمر الواقع
يترافق هذا التوسع المخطط له إدارياً مع تصعيد ميداني في عنف المستوطنين، الذي تحوّل من ظاهرة فردية إلى سياسة شبه رسمية. فقد قنّن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير تسليح آلاف المستوطنين عبر ما يُعرف بـ"وحدات التأهب"، وزودهم بأسلحة أوتوماتيكية ومركبات عسكرية، بتمويل مخصص من وزارة المالية بقيادة بتسلئيل سموتريتش - في تحويل عشرات المستوطنات إلى ما وُصف بـ"ثكنات هجومية" تمارس ضغطاً ميدانياً مستمراً على القرى والتجمعات الفلسطينية المجاورة، بما يكمّل عمل الجرافات والمخططات الرسمية بالترهيب المباشر لدفع السكان الفلسطينيين للرحيل طوعاً من مناطق واسعة.
نقطة اللاعودة
يحذر مسؤولون فلسطينيون ومختصون في شؤون الاستيطان من أن الجمع بين هذه الأدوات - المخططات الهندسية الكبرى كـ"E1"، والزحف الإداري التراكمي عبر تصنيف الأراضي، والعنف المنظم للمستوطنين المتداخل عضوياً مع كل بؤرة استيطانية جديدة، وتفكيك التجمعات البدوية الرعوية - يشكل منظومة متكاملة تهدف بوضوح إلى بلوغ "نقطة اللاعودة" جغرافياً وديموغرافياً، بحيث يصبح فصل شمال الضفة عن جنوبها، وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، أمراً واقعاً يتعذر تفكيكه مهما كانت نتائج أي مسار سياسي أو تفاوضي مستقبلي - وهو ما يفسر، بحسب هذه القراءات، الإصرار الإسرائيلي المتصاعد على تسريع هذه المشاريع تحديداً في المرحلة الراهنة، بالتوازي مع تصاعد موجة الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية، في محاولة لتفريغ أي اعتراف سياسي مستقبلي من أي مضمون جغرافي قابل للتطبيق على الأرض.