الإبادة التعليمية في غزة.. حرب تستهدف المدارس والعقول
تعرض قطاع التعليم العالي في غزة لدمار غير مسبوق، إذ تضرر 95% من إجمالي المباني الجامعية في القطاع، ودُمر 22 حرماً جامعياً بالكامل.
تقرير خاص - فيميد
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عقب السابع من أكتوبر 2023، لم تقتصر آثار العدوان على البنية التحتية والمساكن، بل طالت بشكل ممنهج منظومة التعليم بأكملها، من الروضات إلى الجامعات، وصولاً إلى استهداف مباشر لكوادرها العلمية والأكاديمية، في وقت اتسع فيه نطاق الاستهداف ليشمل أيضاً طلاباً وأكاديميين فلسطينيين وداعمين لقضيتهم خارج فلسطين، وعلى رأسهم في الولايات المتحدة.
دمار شبه كامل للبنية التعليمية في غزة
بحسب تقييم مشترك أعدته منظمة اليونسكو ووزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية ومؤسسة "AWRAD"، تعرض قطاع التعليم العالي في غزة لدمار غير مسبوق، إذ تضرر 95% من إجمالي المباني الجامعية في القطاع، ودُمر 22 حرماً جامعياً بالكامل، فيما قُدرت الخسائر المباشرة بنحو 373 مليون دولار، وتأثر ما يقارب 88 ألف طالب وطالبة جامعية بالحرب مباشرة.
أما على مستوى التعليم العام، فتشير أحدث الإحصائيات الموثقة حتى نهاية حزيران/يونيو 2026 إلى أن الاستهداف طال 529 منشأة تعليمية في مختلف أنحاء القطاع، بين دمار كلي وجزئي جسيم، جعل استئناف العملية التعليمية فيها شبه مستحيل في الوقت الراهن. وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، حُرم أكثر من 710 آلاف طالب من مواصلة تعليمهم بعد نحو ألف يوم من العدوان المتواصل.
كما وثّقت تحقيقات استقصائية اعتمدت على بيانات الأقمار الصناعية التابعة للأمم المتحدة تحويل عدد من المؤسسات الأكاديمية إلى أهداف عسكرية مباشرة، فيما تحولت مدارس عدة، من بينها مدارس تابعة لوكالة الأونروا كانت تُستخدم مراكز إيواء للنازحين، إلى ما وصفته شهادات ميدانية بـ"بيوت رعب" في ذاكرة الأطفال، بعد أن ارتكب فيها جيش الاحتلال، بحسب هذه الشهادات، عمليات إعدام لمدنيين نازحين، وعُثر على جثامين عدد من الضحايا متحللة داخل إحدى مدارس مخيم جباليا.
حصيلة بشرية جسيمة بين الطلبة والكوادر التعليمية
تكشف الأرقام الموثقة حجم الاستهداف البشري المباشر لمنظومة التعليم في غزة. فحتى أيار/مايو 2025، بلغ عدد الشهداء من طلبة المدارس نحو 14,513 طالباً، إضافة إلى 984 شهيداً من طلبة الجامعات. أما على مستوى الكوادر التعليمية، فقد استُشهد 672 معلماً في المدارس و213 من الكوادر الجامعية، فيما أصيب أكثر من 2,915 معلماً و1,401 من الكادر الجامعي بجراح متفاوتة - وهو استهداف غير مسبوق يهدد، بحسب مؤسسات حقوقية متابعة للملف، حاضر العملية التعليمية ومستقبلها معاً.
ولم تتوقف المخاطر عند الهدنة، إذ أعادت حادثة مقتل الطالبة رغد حسين عاشور في حزيران/يونيو 2026، أثناء توجهها لتقديم امتحان الثانوية العامة في مدينة غزة، التذكير بأن طريق الطلبة إلى قاعات الدراسة لا يزال محفوفاً بالمخاطر حتى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
اغتيال "العقول".. استهداف ممنهج للنخبة الأكاديمية والعلمية
إلى جانب الدمار المادي، وثّقت تقارير متعددة ما وُصف بأنه استهداف ممنهج لأبرز الوجوه الأكاديمية والعلمية في غزة. ومن أبرز هذه الحالات اغتيال الدكتور رفعت العرعير، أستاذ الأدب الإنجليزي في الجامعة الإسلامية بغزة، في غارة استهدفت منزله في 7 كانون الأول/ديسمبر 2023، وهو الذي اشتهر بترجمة الرواية الفلسطينية إلى الإنجليزية للعالم الغربي، ومؤسس مشروع "نحن لسنا أرقاماً" الذي ساعد كتّاباً شباناً في غزة على سرد قصصهم بالإنجليزية. وقد اعتبر صحفي إسرائيلي، في تعليق نقلته وسائل إعلام، أن سبب استهداف العرعير هو تقاريره التي كانت تتداولها منظمات غربية وتثير قلق حكومة نتنياهو.
ومن بين الحالات الأخرى: رئيس الجامعة الإسلامية في غزة الدكتور سفيان تايه، الذي استُشهد مع عدد من أفراد عائلته في غارة على مخيم جباليا في كانون الأول/ديسمبر 2023، وعميد كلية الطب في الجامعة نفسها الدكتور عمر فروانة، والدكتورة ختام الوصيفي، رئيسة قسم الفيزياء في الجامعة الإسلامية والملقبة بـ"شيخة الفيزيائيين"، التي استُشهدت مع زوجها الأكاديمي وأطفالهما. وتضم قوائم موثقة أكثر من عشرين عالماً وخبيراً من مختلف التخصصات العلمية والطبية والهندسية قُتلوا خلال الحرب.
ولم يقتصر استهداف الكفاءات الفلسطينية على داخل قطاع غزة، إذ شهدت السنوات الماضية عمليات اغتيال طالت علماء وأكاديميين فلسطينيين في الخارج، من أبرزها اغتيال المهندس الفلسطيني فادي البطش في العاصمة الماليزية كوالالمبور عام 2018، واغتيال المهندس محمد الزواري في مدينة صفاقس التونسية عام 2016، في عمليتين نُسبتا إلى جهاز الموساد الإسرائيلي، بحسب تقارير إعلامية متعددة، ما عزز المخاوف من استهداف الكفاءات العلمية الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها.
استهداف الطلاب والأكاديميون الداعمون لفلسطين في أميركا
لم يقتصر استهداف "العقول" الفلسطينية والمتضامنة مع القضية الفلسطينية على الداخل، إذ شهدت الولايات المتحدة تحديداً حملة واسعة طالت طلاباً وأكاديميين مؤيدين لفلسطين، تصدّرها ما عُرف بحملة "الضبط والإلغاء" (Catch and Revoke) التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بهدف إلغاء تأشيرات الطلاب الأجانب الذين يُظهرون تعاطفاً مع القضية الفلسطينية.
وبحسب تصريحات روبيو نفسه، ألغت الإدارة الأميركية أكثر من 300 تأشيرة دراسية مطلع عام 2025، فيما تشير تقارير لاحقة إلى أن العدد الإجمالي للتأشيرات الملغاة بلغ أكثر من 6 آلاف تأشيرة، طالت طلاباً شاركوا في اعتصامات جامعية أو نشروا مقالات رأي تنتقد الجرائم الإسرائيلية في غزة. وشملت هذه الحملة قضايا بارزة، من بينها محاولة ترحيل الناشط الفلسطيني في جامعة كولومبيا محمود خليل رغم إقامته الدائمة القانونية ودون توجيه أي تهمة جنائية له.
كشفت وثائق قضائية لاحقاً أن أكثر من 75% من الأسماء التي استندت إليها الإدارة الأميركية في حملة الترحيل جاءت من منصة "Canary Mission"، وهي منصة مجهولة الهوية تُوثّق نشاطات الناشطين المؤيدين لفلسطين، إلى جانب مصادر من منظمة "Betar US" التي صنّفتها رابطة مكافحة التشهير لاحقاً ضمن الجماعات المتطرفة بسبب معاداتها للإسلام. كما أظهرت التحقيقات دوراً مباشراً لمسؤولين كبار في البيت الأبيض في متابعة جهود ترحيل الطلاب أسبوعياً.
وفي تطور لافت، حذّرت منظمة العفو الدولية من استخدام السلطات الأميركية أدوات ذكاء اصطناعي، من بينها أدوات مقدمة من شركة "بالانتير"، لمراقبة وتحليل بيانات الطلاب والمهاجرين المؤيدين لفلسطين بشكل جماعي ومستمر، بما يسهّل اتخاذ قرارات تعسفية بإلغاء التأشيرات والاحتجاز والترحيل. في المقابل، سجّلت هذه الحملة تراجعات قضائية لافتة، إذ قضت محكمة أميركية بعدم قانونية محاولات ترحيل الطلاب المؤيدين لفلسطين، معتبرة أن ذلك يشكل "قمعاً غير دستوري لحرية التعبير"، فيما قرر قاضٍ آخر منح حماية قضائية لأكاديميين أجانب عارضوا هذه الإجراءات.
مستقبل جيل بأكمله على المحك
يحذر تربويون وخبراء نفسيون من أن استمرار حرمان الأطفال من التعليم ستكون له آثار بعيدة المدى، تتمثل في اتساع فجوة الفاقد التعليمي، وارتفاع معدلات التسرب والأمية، وتفاقم الاضطرابات النفسية والاجتماعية، بما يهدد مستقبل جيل كامل.
ويؤكد المختصون أن الالتحاق بالمبادرات التعليمية المتاحة، حتى وإن كانت داخل خيمة أو في مساحة مؤقتة، يمثل خطوة أساسية في حماية الأطفال من آثار الحرب، وإعادة دمجهم في بيئة تعليمية توفر لهم الشعور بالأمان والاستقرار.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى الجهود المحلية محدودة أمام حجم الدمار، ما يجعل إنقاذ التعليم في غزة مسؤولية دولية تتطلب وقف استهداف المؤسسات التعليمية، وضمان حمايتها وفق القانون الدولي، وتوفير مدارس مؤقتة وفصول مسبقة الصنع، وإدخال الكتب والمستلزمات الدراسية، إلى جانب دعم إعادة إعمار المدارس والجامعات وتأهيل الكوادر التعليمية، بما يضمن ألا تتحول الحرب إلى حكم دائم بحرمان جيل كامل من حقه في التعليم وبناء مستقبله.
خلاصة
يكشف المسار المزدوج الذي شهدته العملية التعليمية الفلسطينية خلال هذه الحرب - تدمير شبه كامل للبنية التعليمية واغتيال منهجي لنخبتها العلمية داخل غزة، مقابل حملة ملاحقة وترحيل للطلاب والأكاديميين الداعمين للقضية الفلسطينية في الخارج - عن نمط واحد بحسب مؤسسات حقوقية ومتابعين للملف: استهداف مركّز لكل من يحمل الرواية الفلسطينية أو يسهم في نقلها للعالم، سواء بالسلاح داخل القطاع، أو بأدوات قانونية وتقنية خارجه، بما يعمّق مخاوف من تداعيات طويلة المدى على مستقبل جيل كامل من الفلسطينيين وحرية التعبير عن قضيتهم عالمياً.
