عصابات بالوكالة.. كيف تُسلّح إسرائيل الميليشيات لتفتيت مجتمع غزة؟
كيف تدعم إسرائيل الميليشيات في غزة؟ تقرير يرصد الأسلحة والأموال والمركبات والوقود والدعم الميداني الذي تقدمه إسرائيل لمجموعات مسلحة لمواجهة حماس.
تقرير خاص - فيميد
منذ منتصف عام 2025، بدأ نمط جديد يتشكل في المشهد الميداني بقطاع غزة، تمثل في ظهور مجموعات مسلحة محلية معادية لحركة حماس، تتزايد الأدلة والاعترافات الإسرائيلية الرسمية على أنها تحظى بدعم وتسليح مباشرين من دولة الاحتلال، ضمن استراتيجية تسعى، بحسب محللين، لتقويض سلطة حماس من الداخل عبر ما وُصف بـ"النموذج المحلي"، على غرار تجارب مشابهة سبق أن استُخدمت في العراق ولبنان.
اعتراف نتنياهو يكسر الغموض الرسمي
في حزيران/يونيو 2025، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صراحة بأن حكومته تدعم وتسلح مجموعة مسلحة تنشط في جنوب قطاع غزة وتعارض حماس، في أول تأكيد رسمي إسرائيلي على هذا النهج. وشكّل هذا الاعتراف مؤشراً على أن إسرائيل لم تكتفِ بشن الحرب عسكرياً من الجو والبر، بل انتقلت إلى ما وصفه محللون بمحاولة "تقويض سلطة حماس من الداخل" عبر تسليح ميليشيات محلية، وربما تشكيل "قوة أمنية بديلة" في بعض المناطق.
أبرز الميليشيات المدعومة
"القوات الشعبية" بقيادة ياسر أبو شباب
برزت مجموعة "القوات الشعبية" التي قادها ياسر أبو شباب، وهو شخص أثار جدلاً واسعاً في رفح، إذ اتُهم سابقاً بالاتجار بالمخدرات وكان سجيناً سابقاً في سجون حماس، كأبرز نموذج لهذا التوجه. وتنحدر المجموعة من قبيلة الترابين العشائرية المسلحة، الممتدة عبر سيناء ورفح، وباتت تضم بحسب تقارير إسرائيلية نحو 300 مقاتل. وتولت المجموعة حراسة مراكز توزيع المساعدات الأميركية-الإسرائيلية في رفح، واعتُبرت نموذجاً تجريبياً إسرائيلياً لتسليم منطقة "خالية من حماس" لميليشيا متعاونة.
وكشف تقرير إسرائيلي لاحق كيف عمل الجيش الإسرائيلي على حماية هذه الميليشيا ميدانياً، إذ أفادت قناة "i24NEWS" العبرية بأن الجيش الإسرائيلي قتل عناصر من حماس حاولوا استهداف عصابة أبو شباب. وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، أُعلن مقتل أبو شباب نفسه في ظروف وُصفت بأنها "اشتباكات داخلية"، فيما حاولت إسرائيل، بحسب مصادر إسرائيلية، إجلاءه إلى مستشفى في جنوب البلاد قبل إعلان وفاته - في تطور اعتُبر انتكاسة لخطط إسرائيل الغامضة أصلاً بشأن مستقبل القطاع.
"الجيش الشعبي" وميليشيات عشائرية أخرى
إلى جانب مجموعة أبو شباب، رصدت تقارير ظهور مجموعة "الجيش الشعبي" في شمال قطاع غزة، والتي تبنت خطاباً متمرداً يتحدى سلطة فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس. كما وثّقت تقارير أخرى نشاط تشكيلات عشائرية مسلحة مثل "عشيرة المجايدة" في خان يونس، وهي بنية عشائرية ذات امتداد مجتمعي واسع في جنوب القطاع، تورط بعض أفرادها في تعاون مع ميليشيا أبو شباب، ما دفع الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى دعوة العائلات الكبرى في القطاع إلى رفع الغطاء العشائري عن عناصرها.
وكشفت قناة "سكاي نيوز" البريطانية أن إسرائيل تقدم الدعم لأربع ميليشيات مختلفة تتصارع مع حماس في قطاع غزة، تعمل جميعها كجزء من مشروع مشترك يهدف لإزاحة الحركة عن الحكم.
أهداف إسرائيل من دعم هذه الميليشيات
إضعاف حماس دون تحمّل عبء الحكم المباشر
يرى باحثون استراتيجيون أن التعامل مع حماس يضع إسرائيل في مأزق بنيوي: فهي قادرة على هزيمة الحركة عسكرياً، لكنها غير قادرة على إسقاطها بالكامل دون المخاطرة ببروز تنظيم أكثر تطرفاً يحل محلها، كما أنها لا ترغب في تولي مسؤولية حكم غزة مباشرة في ظل فراغ السلطة المحتمل بعد الحرب. وفي هذا السياق، توفر الميليشيات المحلية المدعومة إسرائيلياً بديلاً "غير مباشر" يسمح لإسرائيل بتقويض حماس من الداخل، دون الحاجة لتحمل أعباء الحكم أو الإدارة المدنية للقطاع بنفسها.
تأمين "مناطق خالية من حماس"
كشفت تقارير أن إسرائيل كانت تنوي استخدام ميليشيا أبو شباب تحديداً لتأمين مشاريع إعادة الإعمار المرتقبة داخل غزة ضمن المراحل التالية من خطة وقف إطلاق النار، عبر إقامة نموذج "مدينة خالية من حماس" في رفح، يخضع فيها كل من ينتقل إليها لفحص أمني إسرائيلي مسبق. ونقلت تقارير إسرائيلية عن مسؤول في تل أبيب قوله إن "أول سكان رفح الجديدة يجب أن يكونوا من المعارضين لحماس"، معتبراً أن ذلك "يخدم المصلحة الإسرائيلية" بشكل مباشر.
دور أمني ميداني لصالح إسرائيل في مرحلة "الخط الأصفر"
بحسب تقارير حديثة، ينص مخطط "مجلس السلام" الذي يشرف على المرحلة الانتقالية في غزة على انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً إلى ما وراء ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، كلما تقدمت حماس في مسار تفكيك سلاحها. وفي هذا السياق تحديداً، تنشط الميليشيات المدعومة إسرائيلياً، بتكليف غير معلن، في تمشيط الأنفاق، ورصد مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية، وجمع معلومات استخباراتية حول تحركات فصائل المقاومة الفلسطينية - أي أنها تؤدي عملياً وظيفة استخباراتية وأمنية بالوكالة عن الجيش الإسرائيلي في المناطق التي ينسحب منها.
استراتيجية "جز العشب" طويلة المدى
يندرج هذا النهج، بحسب تحليلات استراتيجية غربية، ضمن مقاربة إسرائيلية أوسع أطلق عليها اسم "جز العشب"، تقوم على تسليم إسرائيل بعجزها عن حسم الصراع مع حماس بشكل نهائي وكامل، والاعتماد بدلاً من ذلك على أدوات متعددة ومستمرة لإضعاف قدرات الحركة وتفكيك بنيتها التحتية بشكل دوري، ودعم بدائل محلية منافسة لها يمثل أحد أذرع هذه الاستراتيجية.
تفتيت النسيج الاجتماعي والعشائري
يرى محللون أن أحد الأهداف غير المعلنة، لكن الأخطر أثراً على المدى البعيد، من وراء دعم هذه الميليشيات يتمثل في تفكيك النسيج الاجتماعي الموحد لسكان غزة عبر توظيف الانتماءات العشائرية والعائلية في صراع مسلح داخلي. فبدل مواجهة مباشرة مع حماس وحدها، تفتح إسرائيل جبهة صراع جديدة تستثمر فيها الروابط القبلية التقليدية، كما حدث مع قبيلة الترابين التي ينتمي إليها أبو شباب، محوّلة بذلك بعض العائلات والعشائر الكبرى إلى طرف في نزاع مسلح داخلي، وهو ما دفع أجهزة أمنية فلسطينية لاحقاً إلى مطالبة العائلات الكبرى برفع "الغطاء العشائري" عن عناصر متورطة في هذا التعاون، في مؤشر على أن الشرخ لم يعد سياسياً فحسب بل امتد إلى بنية المجتمع العشائري نفسها.
ويحذّر مراقبون من أن هذا النمط يكرّس منطق "فرّق تسد" على المستوى المجتمعي الدقيق، إذ يحوّل الصراع من معادلة "احتلال في مواجهة شعب" إلى معادلة أكثر تعقيداً تتضمن اقتتالاً بين عائلات وعشائر وميليشيات محلية متناحرة، بما يضعف قدرة المجتمع الغزي على التعافي وإعادة بناء نسيجه الداخلي حتى بعد انتهاء المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، ويُبقي القطاع رهينة انقسامات أهلية وعشائرية قد تمتد تأثيراتها لسنوات طويلة مقبلة، بصرف النظر عن نتائج الحرب نفسها.
رفض شعبي وفصائلي واسع
أثارت ظاهرة الميليشيات المدعومة من الاحتلال رفضاً شعبياً وفصائلياً واسعاً داخل قطاع غزة، إذ اعتُبرت لدى قطاعات فلسطينية واسعة أداة مباشرة لخدمة أهداف الاحتلال وآلة الحرب والإبادة التي يشنها ضد القطاع، فيما حذّرت فصائل فلسطينية من مخاطر تحول هذه الميليشيات إلى أداة لإشعال اقتتال داخلي فلسطيني-فلسطيني يخدم في نهاية المطاف المصلحة الإسرائيلية في إطالة أمد الانقسام وإضعاف أي سلطة فلسطينية موحدة قادرة على إدارة القطاع بعد الحرب.
خلاصة
يكشف هذا النمط أن دعم إسرائيل للميليشيات المحلية في غزة ليس ظاهرة عابرة، بل يمثل ركيزة من ركائز استراتيجيتها لما بعد الحرب، تجمع بين هدف إضعاف حماس دون تحمّل أعباء الحكم المباشر، وتأمين نفوذ أمني واستخباراتي ميداني بالوكالة في مناطق الانسحاب التدريجي، وتمهيد الأرض لنماذج حكم محلية موالية لها في مناطق بعينها كرفح. ورغم أن مقتل أبرز قادة هذه الميليشيات، ياسر أبو شباب، مثّل نكسة مؤقتة لهذا المسار، فإن استمرار وجود عدة تشكيلات مسلحة أخرى مدعومة بالطريقة ذاتها يشير إلى أن إسرائيل لا تزال ماضية في هذا النهج كأداة استراتيجية طويلة المدى لإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية في قطاع غزة لما بعد الحرب.