الانتخابات التشريعية الفلسطينية.. استحقاق مؤجل وتحديات متشابكة
بعد نحو عقدين من غياب الانتخابات الوطنية الفلسطينية، تعود صناديق الاقتراع إلى واجهة المشهد السياسي، مع تحديد 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة.
تقرير خاص – فيميد
بعد نحو عقدين من غياب الانتخابات الوطنية الفلسطينية، تعود صناديق الاقتراع إلى واجهة المشهد السياسي، مع تحديد 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، فيما أُرجئ تحديد موعد الانتخابات الرئاسية إلى الربع الأول من عام 2027.
وتبدأ اليوم، 15 أغسطس/آب 2026، مرحلة تسجيل الناخبين في الضفة الغربية، وتستمر حتى 19 أغسطس، على أن تبدأ مرحلة الترشح في 26 سبتمبر/أيلول، والحملة الانتخابية في 6 نوفمبر، قبل إجراء الاقتراع في 28 نوفمبر.
لكن تحديد الموعد لا يعني أن الطريق إلى الانتخابات بات ممهدًا؛ فالاستحقاق يواجه مجموعة من العقبات السياسية والقانونية والأمنية، أبرزها إمكانية إجراء انتخابات موحدة في غزة والضفة والقدس، ومشاركة مختلف القوى الفلسطينية، والموقف الإسرائيلي، ومدى قدرة السلطة على توفير بيئة انتخابية حرة، إضافة إلى أزمة الشرعية والانقسام الفلسطيني المستمر منذ عام 2007.
ماذا تغير في قانون الانتخابات؟
أدخلت السلطة الفلسطينية تعديلات جوهرية على قانون الانتخابات العامة في يونيو/حزيران 2026، شملت رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 إلى 200 عضو، وخفض سن الترشح من 28 إلى 23 عامًا، وتعزيز تمثيل المرأة، ورفع الحد الأدنى لعدد مرشحي القائمة إلى 20 مرشحًا.
كما خُفضت نسبة الحسم من 2% إلى 1%، بما يتيح فرصًا أكبر للقوائم الصغيرة، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى مزيد من تشتت الأصوات وصعوبة تشكيل كتل برلمانية متماسكة.
ومن أبرز التعديلات أيضًا إلزام كل مرشح بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والالتزام ببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
وهذا الشرط تحديدًا قد يصبح أحد أكثر الملفات حساسية، لأنه يضع إطارًا سياسيًا مسبقًا للمشاركة الانتخابية، وقد يثير إشكالات أمام قوى فلسطينية لا تنضوي داخل منظمة التحرير بصيغتها الحالية.
غزة.. العقدة الأكبر
يبقى قطاع غزة التحدي الأكثر تعقيدًا أمام الانتخابات، فالمرسوم الرئاسي يدعو إلى إجراء الانتخابات في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، لكن القطاع خرج من حرب مدمرة، ولا تزال أوضاعه الأمنية والإنسانية والسياسية غير مستقرة، فيما لم يُحسم بصورة نهائية شكل الإدارة التي ستتولى إدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة.
ويرتبط نجاح الانتخابات في غزة بوجود بيئة تسمح بفتح مراكز الاقتراع، وتسجيل الناخبين، وتأمين العملية الانتخابية، وتمكين المرشحين والقوائم من ممارسة حملاتهم، فضلًا عن قدرة لجنة الانتخابات المركزية على العمل بصورة مستقلة في القطاع.
وترى تحليلات سياسية أن إجراء انتخابات وطنية ذات مصداقية في غزة والضفة والقدس في ظل الظروف الحالية لا يزال موضع شك، خصوصًا مع استمرار آثار الحرب وتعقيدات ترتيبات "اليوم التالي".
القدس.. اختبار الانتخابات الفلسطينية
تمثل القدس الشرقية تحديًا آخر، إذ سبق أن كانت مشاركة المقدسيين في الانتخابات مرتبطة بترتيبات واتفاقات مع الجانب الإسرائيلي، وتوضح لجنة الانتخابات المركزية أن نحو 300 ألف فلسطيني من سكان القدس الشرقية يحملون هويات زرقاء، وأن ترتيبات الانتخابات في المدينة تخضع لاتفاقات فلسطينية إسرائيلية، بينما جرى في الانتخابات السابقة التصويت في مكاتب بريد إسرائيلية محددة.
وتكتسب المسألة أهمية سياسية تتجاوز الجانب الإجرائي؛ إذ سبق للجنة الانتخابات الفلسطينية أن أكدت أنها لا تريد الإشراف على انتخابات لا تشمل القدس، معتبرة أن مشاركة المدينة شرط أساسي لنزاهة وشمولية الاستحقاق الوطني.
وبالتالي، فإن أي قيود إسرائيلية على الاقتراع أو الحملات الانتخابية في القدس يمكن أن تتحول إلى سبب مباشر لتعطيل العملية أو التشكيك في نتائجها.
هل تشارك حماس والفصائل الأخرى؟
يمثل الانقسام السياسي الفلسطيني أحد أهم الاختبارات أمام الانتخابات المقبلة، ففي يونيو/حزيران الماضي، دعت حماس والجهاد الإسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية وفصائل أخرى إلى عقد اجتماع للأمناء العامين للفصائل وإطلاق حوار وطني شامل قبل الانتخابات، مؤكدة ضرورة بناء المؤسسات على أساس التوافق والشراكة الوطنية.
ويعني ذلك أن إجراء الانتخابات من دون توافق سياسي واسع قد يعيد إنتاج مشكلة الشرعية بدل حلها.
كما أن شرط الاعتراف بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي وقرارات الشرعية الدولية يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلة مشاركة القوى السياسية، ما يجعل مشاركة حماس وغيرها من القوى غير المنضوية في المنظمة من الملفات التي تحتاج إلى ترتيبات سياسية قبل موعد الاقتراع، بدل أن تكون مجرد مسألة إجرائية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب تجربة انتخابات 2006، التي فازت فيها حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، قبل أن يؤدي الصراع السياسي والأمني إلى الانقسام الفلسطيني عام 2007.
فتح أمام اختبار جديد
ولا تقتصر التحديات على العلاقة بين فتح وحماس؛ إذ تواجه حركة فتح نفسها تحديات داخلية قد تؤثر على الانتخابات، ويشير تحليل للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن المؤتمر الثامن للحركة عمّق بعض الخلافات التنظيمية، ما يفتح احتمال خوض الانتخابات بأكثر من قائمة مرتبطة بفتح، وهو سيناريو قد يؤدي إلى تشتت الأصوات داخل الحركة نفسها.
ويعيد هذا الاحتمال إلى الأذهان أحد أسباب تعقيد انتخابات 2021، عندما أدى الانقسام داخل فتح إلى بروز قوائم منافسة، قبل أن يقرر الرئيس محمود عباس تأجيل الانتخابات بحجة عدم توافر شروط إجرائها، وفي مقدمتها إمكانية إجرائها في القدس.
الاحتلال والاستيطان.. انتخابات تحت السيطرة الإسرائيلية
تشير تحليلات حديثة إلى أن القيود الإسرائيلية على حركة الفلسطينيين، وانتشار الحواجز والبوابات العسكرية، إلى جانب الاعتقالات وعنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني، قد تؤثر في قدرة المرشحين والناخبين على التحرك بحرية خلال العملية الانتخابية.
ويزداد الأمر تعقيدًا مع استمرار التوسع الاستيطاني والتهجير في مناطق مختلفة من الضفة، وهو ما يطرح سؤالًا أساسيًا: كيف يمكن إجراء انتخابات موحدة في أراضٍ تخضع أجزاء واسعة منها لسيطرة عسكرية إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة؟
كما أن قدرة السلطة الفلسطينية نفسها على أداء وظائفها تواجه ضغوطًا مالية وسياسية كبيرة، الأمر الذي قد يؤثر في قدرتها على توفير البيئة المؤسسية اللازمة لإدارة الاستحقاق الانتخابي.
مخاوف من انتخابات بلا توافق وطني
تحذر أصوات فلسطينية من أن تتحول الانتخابات، بدل أن تكون أداة لإنهاء الانقسام، إلى جولة جديدة من الصراع على الشرعية، فالانتخابات التشريعية وحدها، مع تأجيل الرئاسية إلى 2027، قد تترك أسئلة حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والرئاسة ومنظمة التحرير، خصوصًا إذا جاءت نتائج المجلس التشريعي مخالفة لخريطة القوى الحالية.
كما أن إجراء الانتخابات في جزء من الأراضي الفلسطينية وتعذر إجرائها في غزة أو القدس سيضعف من صفة «الانتخابات الوطنية الجامعة» التي تسعى لجنة الانتخابات إلى تأكيدها. وتؤكد اللجنة رسميًا أن الاقتراع مقرر في كامل أراضي دولة فلسطين، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة.
الشرعية.. الهدف والمخاطرة
تأتي الانتخابات أيضًا في ظل أزمة ثقة متراكمة تجاه مؤسسات السلطة الفلسطينية. فقد أشار تحليل للمركز العربي إلى أن استطلاعًا للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أظهر في سبتمبر/أيلول 2024 أن 22% فقط من المستطلعين كانوا راضين عن أداء السلطة، مقابل 81% غير راضين عن أداء الرئيس محمود عباس.
ومن هنا، يمكن أن تمثل الانتخابات فرصة لتجديد الشرعية الفلسطينية، لكنها قد تحقق النتيجة العكسية إذا اتسمت المشاركة بالانقسام أو جرت في ظل قيود تمنع منافسة سياسية حقيقية.
ضغط دولي وترتيبات "اليوم التالي"
لا يمكن فصل الانتخابات عن التطورات الدولية المتعلقة بمستقبل قطاع غزة، فخلال السنوات الأخيرة، ربطت أطراف دولية بين عودة السلطة الفلسطينية إلى إدارة غزة وبين تنفيذ إصلاحات سياسية وأمنية وإدارية، فيما أعيد طرح فكرة «السلطة الفلسطينية المتجددة» باعتبارها طرفًا محتملًا في ترتيبات ما بعد الحرب.
وتشير تحليلات إلى أن الانتخابات قد تُستخدم أيضًا كجزء من مسار إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، لكن ذلك يثير مخاوف من أن تتحول إلى استجابة لضغوط دولية وترتيبات إقليمية أكثر من كونها نتيجة توافق فلسطيني داخلي.
المجلس الوطني.. مسار موازٍ
بالتوازي مع الانتخابات التشريعية، سبق أن أصدر الرئيس عباس مرسومًا في فبراير/شباط 2026 يدعو إلى انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، داخل فلسطين وخارجها حيثما أمكن، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل.
ويضم النظام الانتخابي الجديد للمجلس الوطني 350 عضوًا، منهم 200 يمثلون الأراضي الفلسطينية و150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات.
لكن تنظيم انتخابات المجلس الوطني في الشتات يواجه بدوره تحديات سياسية ولوجستية، أبرزها اختلاف أوضاع الفلسطينيين القانونية والسياسية من دولة إلى أخرى، ومدى إمكانية الوصول إلى توافق فلسطيني حول آلية التمثيل.
هل تصل الانتخابات إلى صناديق الاقتراع؟
على المستوى الإجرائي، بدأت العملية بالفعل؛ إذ حددت لجنة الانتخابات المركزية الجدول الزمني، وبدأت مرحلة تسجيل الناخبين في الضفة اليوم، على أن تُفتح مرحلة الترشح في سبتمبر، والحملات في نوفمبر، ويجري الاقتراع في 28 نوفمبر.
لكن نجاح الاستحقاق لا يتوقف على جاهزية لجنة الانتخابات وحدها، فالاختبار الحقيقي سيكون في ثلاث ملفات مترابطة: وحدة الأراضي الانتخابية، المشاركة السياسية الشاملة، والقدرة على توفير بيئة انتخابية حرة وآمنة.
وفي حال نجحت الأطراف الفلسطينية في تجاوز هذه العقبات، يمكن للانتخابات أن تشكل أول خطوة منذ 2006 نحو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس انتخابي.
أما إذا تعثرت مشاركة غزة أو القدس، أو قاطعتها قوى رئيسية، أو تفجر الخلاف داخل الفصائل، فقد تتحول الانتخابات من أداة لتجديد الشرعية وإنهاء الانقسام إلى عامل جديد لتعميق أزمة الشرعية والانقسام الفلسطيني.
أبرز مواعيد الانتخابات التشريعية
|
المرحلة |
الموعد |
|
تسجيل الناخبين |
15–19 أغسطس 2026 |
|
عرض سجل الناخبين والاعتراضات |
7–10 سبتمبر |
|
الترشح |
26 سبتمبر–7 أكتوبر |
|
الحملة الانتخابية |
6–27 نوفمبر |
|
الاقتراع |
28 نوفمبر 2026 |
|
إعلان النتائج الأولية |
29 نوفمبر |
وتؤكد لجنة الانتخابات أن سن التصويت 18 عامًا، بينما يمكن التسجيل في سجل الناخبين ابتداءً من سن 17 عامًا.
الخلاصة:
يبدو المسار نحو الانتخابات التشريعية الفلسطينية اليوم أكثر تركيباً من مجرد موعد يُحدَّد بمرسوم رئاسي، إذ يتقاطع مع ملفات شائكة تشمل مستقبل الوجود الإسرائيلي في غزة والضفة، وحق التصويت في القدس، وحالة الانقسام داخل الحركة الحاكمة نفسها، إلى جانب تعديلات قانونية متلاحقة تثير الشكوك حول نزاهة الأساس التشريعي للعملية برمّتها. وبينما يبقى موعد الانتخابات الرئاسية معلقاً دون تحديد دقيق حتى الآن، وسط مطالبات متصاعدة بضمّها إلى الاستحقاق التشريعي بدل تأجيلها، يبقى السؤال الأبرز الذي يطرحه مراقبون هو ما إذا كانت هذه المرة ستكون مختلفة عن تجربة عام 2021 التي انتهت بالتأجيل الكامل، أم أن التاريخ سيعيد نفسه مجدداً في ظل ظروف لا تقل تعقيداً عمّا كانت عليه حينها.