الاتفاق الأمريكي–الإيراني: قراءة أولية في فرص النجاح واحتمالات التعثر
الاتفاق الأمريكي–الإيراني: قراءة أولية في فرص النجاح واحتمالات التعثر
✍️ د. صدام سحويل
بعد أسابيع من التصعيد العسكري غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقه من مخاوف حقيقية من توسع المواجهة وانزلاقها إلى حرب إقليمية واسعة، برزت مؤشرات على التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب والانخراط في مسار تفاوضي قد يفضي إلى تفاهمات من شأنها تخفيف حدة الصراع وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الهدوء الحذر في المنطقة. وبصرف النظر عن الصيغة النهائية للاتفاق أو حجم التنازلات التي قدمتها الأطراف المتفاوضة، فإن مجرد انتقالها من ساحة المواجهة إلى طاولة التفاوض يثير تساؤلات مهمة حول الأسباب التي دفعتها إلى ذلك، وحول فرص نجاح هذا المسار في الصمود أمام التعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط به.
ورغم أن الاتفاق قد يشكل فرصة لاحتواء التوتر وخفض احتمالات التصعيد، فإن تجارب المنطقة خلال العقود الماضية تؤكد أن وقف القتال لا يعني بالضرورة إنهاء أسباب الصراع. ومن هنا تبرز أهمية قراءة هذا الاتفاق في ضوء موازين القوى الحالية، ومصالح الأطراف المختلفة، والعوامل التي قد تدفعه نحو النجاح أو تعجل بتعثره وانهياره.
وقبل الخوض في تفاصيل العملية التفاوضية ومساراتها المختلفة، لا بد من التوقف بإيجاز عند خلفية الحرب وأهدافها. فمنذ أحداث السابع من أكتوبر، تبنت إسرائيل مقاربة أمنية قائمة على نقل المعركة إلى ساحات تعتبرها مصدرًا للتهديد، فانخرطت في حرب واسعة على قطاع غزة تسببت في دمار هائل وخسائر بشرية غير مسبوقة، قبل أن تتوسع العمليات العسكرية لتشمل لبنان عبر سلسلة من الضربات المكثفة التي استهدفت البنية القيادية والعسكرية لحزب الله وأدت إلى اغتيال عدد من أبرز قادته وعلى رأسهم الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله.
ومع اتساع نطاق المواجهة، دفعت إسرائيل باتجاه توسيع دائرة الصراع لتشمل إيران باعتبارها الداعم الرئيسي لمحور المقاومة في المنطقة، وهو ما انعكس في تصاعد التنسيق الأمريكي–الإسرائيلي ضد طهران. وقد شهدت الحرب جولات متتالية من الضربات الجوية والعمليات العسكرية التي استهدفت مواقع عسكرية ومدنية وشخصيات سياسية وعسكرية إيرانية بارزة، قبل أن تتطور المواجهة إلى مستوى غير مسبوق من التصعيد المتبادل بين الطرفين.
وقد أعلنت الولايات المتحدة منذ البداية جملة من الأهداف الاستراتيجية للحرب، تمثلت في إسقاط النظام الإيراني، وتقليص قدراته العسكرية والصاروخية، والحد من برنامجه النووي، وتقويض نفوذه الإقليمي. غير أن تطورات الميدان أظهرت أن تحقيق هذه الأهداف ليس بالسهولة التي كانت تتصورها واشنطن وحلفاؤها. فمع استمرار الحرب واتساع نطاقها، برزت تحديات جديدة تمثلت في استهداف منشآت الطاقة، وإغلاق مضيق هرمز، وتهديد حركة الملاحة الدولية، واستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، الأمر الذي فرض كلفة اقتصادية وأمنية متزايدة على الولايات المتحدة وحلفائها، وألقى بظلاله على الاقتصاد العالمي بأسره.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن إيران تعرضت لضربات مؤلمة وخسائر كبيرة طالت قيادات سياسية وعسكرية بارزة، إضافة إلى مواقع استراتيجية وبنى تحتية حيوية. كما انعكست الحرب بصورة مباشرة على الوضع الاقتصادي والمعيشي للشعب الإيراني. إلا أن هذه الخسائر دفعت طهران، كما يبدو، إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية تجاه جهود الوساطة، انطلاقًا من حاجتها إلى التقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أولوياتها وترميم قدراتها العسكرية والاستراتيجية، دون أن يعني ذلك تخليها عن رؤيتها للصراع أو اعتبار الحرب قد انتهت بصورة نهائية.
ومن هنا يمكن فهم التحول التدريجي لدى الطرفين نحو خيار التفاوض. فالولايات المتحدة وجدت نفسها أمام حرب تتزايد كلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية، فيما رأت إيران أن المرحلة تستدعي تخفيف الضغوط واستثمار أي فرصة متاحة لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية والخارجية. وقد لعبت الوساطة الباكستانية دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر وتهيئة الأرضية للتوصل إلى تفاهمات أولية بين الطرفين.
وبحسب ما تم تداوله إعلاميًا حول بنود الاتفاق، فإن إيران تبدو، حتى هذه اللحظة، وكأنها نجحت في الحفاظ على أهم مرتكزاتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها بقاء النظام السياسي ووحدة الدولة وعدم تحقيق أهداف الحرب المعلنة المتعلقة بإسقاط النظام أو تفكيك الدولة الإيرانية. كما تشير البنود المتداولة إلى احتمالات الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، وتخفيف القيود المفروضة على الاقتصاد الإيراني، والمساهمة في إعادة الإعمار، وهي جميعها مكاسب تمنح طهران فرصة مهمة لإعادة بناء قدراتها واستعادة جزء من عافيتها الاقتصادية.
أما الولايات المتحدة، فرغم نجاحها في توجيه ضربات مؤثرة لإيران، فإن المكاسب التي تبدو واضحة حتى الآن تتركز بصورة أساسية في ضمان استقرار حركة الملاحة وعودة تدفق النفط إلى الأسواق العالمية وتجنب الانزلاق إلى حرب طويلة ومفتوحة. ولهذا يرى عدد من المراقبين أن حصيلة الاتفاق، وفق البنود المتداولة، تميل نسبيًا لصالح إيران مقارنة بالأهداف الكبرى التي أعلنتها واشنطن في بداية الحرب.
ومع ذلك، فإن السؤال الأهم لا يتعلق ببنود الاتفاق بقدر ما يتعلق بفرص استمراره. فالاتفاق بصيغته الحالية قد يواجه معارضة قوية من أطراف نافذة داخل الولايات المتحدة، سواء من التيارات المتشددة أو من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، التي قد ترى أن التفاهمات المطروحة لا تنسجم مع الأهداف التي دفعت باتجاه الحرب منذ البداية. كما أن الموقف الإسرائيلي نفسه قد يشكل أحد أبرز التحديات أمام نجاح الاتفاق، خصوصًا في ظل استمرار الخلافات حول عدد من الملفات الإقليمية الحساسة وفي مقدمتها الملف اللبناني.
لذلك، وحتى لو تم التوقيع على الاتفاق بصورة رسمية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن المنطقة دخلت مرحلة استقرار دائم. فالأرجح أن الاتفاق يمثل محاولة لاحتواء تداعيات الحرب وإدارة الصراع أكثر مما يمثل تسوية نهائية لأسبابه وجذوره. ومن هذا المنطلق، يبقى احتمال تعثر الاتفاق أو انهياره قائمًا، خاصة إذا ما عادت التناقضات الأساسية بين الأطراف إلى الواجهة أو ظهرت تطورات ميدانية جديدة تعيد خلط الأوراق.
وفي تقديري، فإن الاتفاق المرتقب قد يكون أقرب إلى هدنة مؤقتة تفرضها ضرورات المرحلة وحسابات المصالح الآنية، أكثر منه اتفاقًا قادرًا على إنهاء الصراع بصورة دائمة. فالقضايا الجوهرية التي فجرت المواجهة ما زالت قائمة، والأهداف الاستراتيجية الكبرى لم تتغير لدى أي من الأطراف. ولهذا فإن نجاح الاتفاق على المدى الطويل سيبقى مرهونًا بقدرته على معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بتجميدها مؤقتًا، وإلا فإن احتمالات عودة التوتر والمواجهة ستظل قائمة، وربما بصورة أشد مما كانت عليه قبل التوصل إلى هذا الاتفاق.
