غزة بين معضلة السلاح والحل السياسي
غزة بين معضلة السلاح والحل السياسي
✍️د. صدام سحويل
تمر القضية الفلسطينية اليوم بإحدى أكثر مراحلها تعقيدًا منذ عقود، ليس فقط بسبب مذبحة الحرية والإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال بحق شعبنا الفلسطيني بغزة، ولا بحجم الدمار الذي لحق بقطاع غزة، وإنما أيضًا بسبب القضايا السياسية الكبرى التي فرضتها التطورات الأخيرة على مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ففي أعقاب الحرب التي اندلعت بعد أحداث السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى)، وما تبعها من عمليات عسكرية واسعة النطاق أدت إلى ارتكاب إبادة جماعية راح ضحيتها ما يزيد عن 70 ألف شهيد في معظمهم من النساء والأطفال، وتدمير مساحات واسعة من القطاع ونزوح وتشريد مستمر، برزت من جديد قضية سلاح المقاومة باعتبارها إحدى القضايا الأكثر إثارة للجدل في أي حديث عن مستقبل غزة وترتيبات ما بعد الحرب.
وتزداد حساسية هذا النقاش في ظل الدعوات المتكررة التي تطالب قيادة المقاومة بالانتقال إلى مراحل جديدة من التفاهمات السياسية والأمنية (اتفاق ترمب)، وتطالب بشكل واضح تسليم السلاح. غير أن هذه الدعوات تتزامن مع واقع لا يزال فيه الاحتلال قائمًا، بل ويحتل ما لا يقل عن 70% من مساحة قطاع غزة، ويمارس سياسة اغتيال ممنهجة بحق كوادر المقاومة في غزة، و أنها تأتي في وقت يرى فيه كثير من أبناء شعبنا الفلسطيني أن الالتزامات المتعلقة بوقف الحرب ورفع الحصار وضمان إعادة الإعمار لم تتحقق بالشكل الذي يبرر المطالبة بتنازلات استراتيجية بهذا الحجم.
تتمثل الإشكالية الرئيسة في اختزال مستقبل غزة والقضية الفلسطينية في قضية سلاح المقاومة، والتعامل معه باعتباره العقبة الأساسية أمام إنهاء الحرب وإعادة الإعمار. فمثل هذا الطرح يتجاوز حقيقة أن أي نقاش حول مستقبل أدوات المقاومة لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع المرتبط باستمرار الاحتلال وغياب التسوية العادلة. لذلك، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بالسلاح ذاته، وإنما بالضمانات السياسية والقانونية التي يمكن أن تجعل البحث في مستقبله جزءًا من عملية تعالج جذور الصراع، بدلًا من أن تتحول إلى مقايضة تركز على النتائج وتتجاهل الأسباب التي أفرزتها.
ومن هذا المنطلق فإن النقاش ينبغي أن لا يبدأ من مطالبة المقاومة بتسليم السلاح، بل ينبغي أن يبدأ من البحث عن الضمانات السياسية والقانونية والأمنية التي تثبت لشعبنا الفلسطيني حقوقه وتجعل البحث في مستقبل السلاح أمرا منطقيا ومقبولاً.
فالتاريخ السياسي لحركات التحرر الوطني لا يقدم أمثلة كثيرة على شعوب أو حركات تخلت طوعًا عن مصادر قوتها قبل معالجة الأسباب التي دفعتها إلى امتلاكها أصلًا. كما أن التجارب المقارنة تشير إلى أن الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة التسوية لم يكن في العادة نتيجة نزع عناصر القوة أولًا، بل نتيجة بناء بيئة سياسية جديدة تقلص الحاجة إليها تدريجيًا من خلال ضمان الحقوق الأساسية ومعالجة جذور النزاع.
وبالنسبة لحالتنا الفلسطينية، فإن الحق في مقاومة الاحتلال، بما في ذلك امتلاك الوسائل التي تمكن شعبنا الفلسطيني من الدفاع عن حقوقه الوطنية، يظل مرتبطًا باستمرار الاحتلال وحرمان شعبنا من حقه في تقرير المصير. غير أن التمسك بهذا الحق لا يعني بالضرورة استبعاد الحلول السياسية أو رفض الترتيبات المرحلية التي تخفف معاناة السكان وتفتح الباب أمام إعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية.
وعليه، فإن المقاربة الأكثر واقعية قد لا تكمن في المطالبة بنزع السلاح أو التمسك باستخدامه بصورة دائمة، بل في البحث عن صيغة سياسية تضمن الحفاظ على حقوقنا الوطنية، وفي الوقت نفسه تسمح بإدارة مرحلة انتقالية تركز على حماية مجتمعنا الفلسطيني وإعادة بناء غزة وفتح أفق سياسي حقيقي لمعالجة جوهر الصراع لا مظاهره فقط.
فالقضية في جوهرها ليست قضية سلاح، وإنما قضية احتلال. وإذا جرى التعامل مع النتائج دون معالجة الأسباب، فإن المشكلة ستبقى قائمة مهما تغيرت الأدوات أو تبدلت العناوين.
التحدي المطروح أمامنا اليوم لا يتمثل في الاختيار بين المقاومة والسياسة، بل في القدرة على بناء معادلة تجعل السياسة وسيلة لحماية الحقوق الوطنية، وتجعل عناصر القوة الوطنية ضمانة لعدم تحول العملية السياسية إلى مجرد إدارة دائمة للاحتلال. فحين تُعالج أسباب الصراع يصبح النقاش حول الأدوات ممكنًا، أما حين تبقى الأسباب قائمة فإن الجدل حول الأدوات يظل يدور في حلقة مفرغة.
لذا فإن المقاربة الأكثر واقعية لحالتنا الفلسطينية اليوم قد لا تتمثل في الجدل حول مصير السلاح بحد ذاته، وإنما في صياغة مسار سياسي جاد يربط بين وقف الحرب، وإعادة الإعمار، وإنهاء الاحتلال، وتمكين شعبنا الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره. وعندها فقط يمكن أن يصبح النقاش حول السلاح جزءًا من حل سياسي شامل، لا شرطًا مسبقًا يفرض في ظل استمرار الأسباب التي أوجدتها.
